بقلم سفير أوكرانيا لدى جمهورية العراق، إيفان دوڤهانيش
في الثامن عشر من أيار، تُحيي أوكرانيا، إلى جانب شعب تتار القرم، الذكرى الثانية والثمانين لعملية التهجير الجماعي التي أمر بها جوزيف ستالين بحق شعب كامل. وهي جريمة لا تزال مستمرة حتى اليوم، في القرم المحتلة وفي الأراضي الأوكرانية التي تواصل روسيا السيطرة عليها.
في ليلة 17 – 18 أيار عام 1944، نام تتار القرم في بيوتهم كما في أي ليلة عادية، دون أن يعلموا أن تلك ستكون آخر مرة يقضونها في وطنهم، وأنهم لن يعودوا إليه لعقود طويلة.
قبل الفجر، انتشرت أكثر من اثنين وثلاثين ألف قوة من جهاز “إن كا ڤي دي” السوفيتي في أنحاء شبه الجزيرة، وبدأ الجنود يطرقون الأبواب بعنف، مانحين العائلات خمس عشرة دقيقة فقط، وأحياناً أقل، لجمع ما يستطيعون حمله. نُقل الشيوخ والنساء الحوامل والأطفال الرضّع في شاحنات إلى محطات القطارات، حيث كانت عشرات عربات الشحن المغلقة بانتظارهم. ثم انطلقت القطارات شرقاً نحو صحارى أوزبكستان وغابات الأورال ومناطق سيبيريا النائية المحاطة بمعسكرات العمل القسري.
وخلال ثلاثة أيام فقط، بين 18 و20 أيار 1944، اختفى شعب بأكمله من أرضه التاريخية. وأطلق تتار القرم على هذه الجريمة اسم “سورغون”، أي “المنفى” بلغتهم.
برّر ستالين العملية باعتبارها “عقاباً جماعياً” بزعم تعاون بعض تتار القرم مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، متجاهلاً حقيقة أن أعداداً أكبر منهم قاتلت ضمن صفوف الجيش الأحمر ضد النازيين، وأن واحداً وعشرين منهم حصلوا على لقب “بطل الاتحاد السوفيتي”، ومن بينهم الطيار الشهير أميت خان سلطان. كما تجاهل أن كثيراً من هؤلاء الجنود عادوا من الجبهة ليُرحّلوا مع عائلاتهم في القطارات نفسها.
الأرقام وحدها لا تكفي لوصف حجم المأساة. فبحسب سجلات تتار القرم، جرى اقتلاع نحو 238 ألفاً و500 شخص من موطنهم خلال تلك الأيام الثلاثة. وبحلول الأول من كانون الثاني عام 1947، كان أكثر من 46 بالمئة منهم قد قضوا بسبب الجوع والمرض وظروف التهجير القاسية. دفنت الأمهات أطفالهن في أراضٍ غريبة، وتُرك كثير من الأيتام والموتى في محطات مجهولة على طول الطريق.
ولم تكن تلك الحملة استثناءً، بل كانت جزءاً من سياسة ممنهجة انتهجها ستالين ضد شعوب أخرى، بينها الشيشان والإنغوش والبلقار والكالميك وتتار مناطق أخرى، حيث جرى اقتلاع شعوب كاملة من أوطانها ونقلها إلى أطراف الإمبراطورية السوفيتية.
عاد تتار القرم إلى شبه الجزيرة أواخر ثمانينيات القرن الماضي مع بداية انهيار الاتحاد السوفيتي، وشرعوا بإعادة بناء حياتهم ومؤسساتهم ومدارسهم ومساجدهم. لكن في عام 2014، عادت موسكو لاحتلال القرم وضمّها، لتتكرر أساليب القمع ذاتها بصيغة جديدة.
فقد حظرت السلطات الروسية “المجلس التمثيلي لتتار القرم” عام 2016 باعتباره “منظمة متطرفة”، كما منعت إحياء ذكرى التهجير في 18 أيار داخل القرم المحتلة، وأصبح أبناء الضحايا مضطرين لمخالفة القانون من أجل الحداد على أجدادهم.
وحتى منتصف عام 2025، يوجد ما لا يقل عن 153 من تتار القرم معتقلين كسجناء سياسيين في السجون ومراكز الاحتجاز الروسية، فيما نُقل كثير منهم إلى مناطق بعيدة عن عائلاتهم، في انتهاك لاتفاقيات جنيف. وأصبحت مداهمات المنازل واعتقال الآباء أمام أطفالهم مشهداً متكرراً، فيما يصف ناشطون هذه السياسة بأنها “الترحيل الصامت”.
ولا يقتصر الأمر على تتار القرم وحدهم. فمنذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، جرى نقل عشرات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين قسراً إلى داخل روسيا، وهو ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتشير تقارير إلى نقل نحو أحد عشر ألف طفل أوكراني خلال عام 2025 وحده إلى مراكز ومخيمات مختلفة داخل روسيا، بهدف محو هويتهم الوطنية وقطع صلتهم بلغتهم وثقافتهم.
إن الخط الذي يربط بين قطارات ستالين ومراكز “إعادة التأهيل” التابعة لبوتين ليس مجازاً، بل استمرارية واضحة لسياسة واحدة.
ويحمل هذا التاريخ درساً أوسع؛ فعمليات التهجير الجماعي كانت على مدى القرن العشرين أداة مفضلة لدى الأنظمة الاستبدادية للتخلص من الشعوب غير المرغوب بها. فهي وسيلة سريعة ومنظمة لنقل “المشكلة” من خريطة إلى أخرى، وغالباً ما تُنسى مع مرور الزمن.
ولهذا، فإن إحياء الذاكرة ليس مجرد طقس للحزن، بل وسيلة لمنع تكرار الجريمة.
وفي كل شهر أيار، تحرص أوكرانيا، إلى جانب شعب تتار القرم وشركائها في تركيا وأوروبا والمنطقة، على إحياء ذكرى ضحايا عام 1944 وعدم السماح بتحويلهم إلى مجرد أرقام في كتب التاريخ.
فالتذكير بجريمة “السورغون” ورفض اختزال معناها هو أحد أقل ما يمكن فعله لضمان ألا يُسمح مجدداً بتكرار مثل هذه الجرائم، في أي مكان أو بحق أي شعب.
ليس في القرم.
ليس في أوكرانيا.
ولا في أي مكان آخر.







