حرية
أفاد مصدر مطلع بوصول رسائل إيرانية إلى عدد من أبرز الفصائل العراقية، تتضمن دعوات للتعامل بمرونة مع الطروحات المرتبطة بإعادة تنظيم “الحشد الشعبي”، وتفادي الدخول في أي مواجهة مباشرة مع الضغوط الأمريكية المتصاعدة، في إطار سياسة تهدف إلى احتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو صدام مفتوح داخل العراق.
وذكر المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن القيادي في الحرس الثوري الإيراني المعروف باسم “حجي حامد” يتولى إدارة هذا الملف، وقد نقل خلال سلسلة اجتماعات عقدها في بغداد خلال الأيام الماضية رسائل واضحة للفصائل تدعو إلى ضبط الخطاب الإعلامي والعسكري في المرحلة الحالية، واعتماد نهج مرن في التعامل مع المقترحات المتعلقة بملف الحشد الشعبي.
وبحسب المصدر، فإن الرسائل الإيرانية لم تتضمن قبولاً مباشراً بالمشروع الأمريكي الخاص بإعادة هيكلة الحشد، لكنها ركزت على ضرورة امتصاص الضغوط الحالية وتأجيل أي مواجهة مباشرة، مع الحفاظ على البنية الأساسية للفصائل ونفوذها داخل مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط أمريكية متزايدة تهدف إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة وإعادة ترتيب المشهد الأمني في العراق، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية–الإيرانية الأخيرة وما رافقها من هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت دولاً في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أشارت مصادر إلى أن الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس لعب خلال زيارته الأخيرة للعراق دوراً في مناقشة سيناريوهات تتعلق بمستقبل “الحشد الشعبي”، من بينها إعادة هيكلة تدريجية لبعض تشكيلاته ودمج أجزاء منه ضمن مؤسسات الدولة، مقابل إبعاد شخصيات تعتبرها واشنطن مرتبطة بهجمات ضد مصالحها في المنطقة.
ويرى مراقبون أن طهران باتت تتعامل بحذر مع المرحلة الحالية، في ظل حكومة عراقية جديدة تحاول تقديم نفسها كطرف متوازن إقليمياً ودولياً، ما يدفع إيران إلى تجنب أي تصعيد مباشر قد يمنح واشنطن ذريعة لتكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية داخل العراق.
وبحسب المصدر، فإن التوجه الإيراني الحالي يقوم على سياسة “الاحتواء البطيء” للمشروع الأمريكي، عبر قبول بعض الخطوات الجزئية أو الشكلية مثل إعادة هيكلة محدودة أو إعادة تنظيم بعض التشكيلات، مقابل الحفاظ على النفوذ السياسي والأمني للفصائل داخل الدولة العراقية.
وأضاف أن طهران تسعى إلى إدارة الملف العراقي بانتظار ما ستؤول إليه تطورات الملف النووي الإيراني والتوترات الإقليمية، بما يمنحها مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقها في المنطقة.
وأشار المصدر إلى أن القيادة الإيرانية ترى أن أي تنازلات كبيرة أو مواجهة مباشرة في هذه المرحلة قد تكون مكلفة، لذلك تفضل اعتماد سياسة التهدئة المؤقتة وكسب الوقت مع الحفاظ على البنية الأساسية لنفوذها داخل بغداد والفصائل المسلحة.
وفي المقابل، لم تعلن أي جهة فصائلية عراقية رفضاً صريحاً للمشروع الأمريكي، في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية استمرار جهودها لحصر السلاح بيد الدولة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن المشروع الذي يُنسب إلى بترايوس لا يستهدف حل “الحشد الشعبي” بشكل فوري، بل يعتمد على مسار تدريجي طويل الأمد يهدف إلى تقليص السلاح خارج سيطرة الدولة وإعادة صياغة المؤسسة الأمنية العراقية.
وتتضمن الخطة، وفق المصادر، مراحل تبدأ بحصر السلاح المتوسط والثقيل بيد الدولة، وإخضاعه لرقابة القيادة العسكرية، مع تقليص استقلالية الفصائل، إضافة إلى إبعاد شخصيات يُعتقد تورطها في هجمات استهدفت مصالح أمريكية ودولية.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى العراق في قلب صراع نفوذ متجدد بين واشنطن وطهران، وسط محاولات متزايدة لمنع تحول ملف الحشد الشعبي إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين.







