حرية
لم يتحول إعلان حالة الطوارئ البيئية في العراق، حتى الآن، إلى تحرك ميداني واضح يبدد المخاوف من استمرار التلوث واتساع آثاره على حياة السكان. فبعد مرور أكثر من شهر على إعلان مجلس النواب هذه الحالة وتشكيل لجنة مختصة، لا تزال مصادر التلوث المتعددة حاضرة، فيما تطرح كلفة المعالجة، التي قد تصل إلى مليارات الدولارات، تحدياً إضافياً أمام بلد يواجه أزمة اقتصادية.
وأعرب مرصد العراق الأخضر عن قلقه إزاء غياب التحركات الحكومية الملموسة لمواجهة بؤر التلوث، معتبراً أن إعلان الطوارئ وتشكيل لجنة مختصة كان يفترض أن يشكلا بداية لتحرك جاد يضع حداً لما وصفه بـ”الموت البطيء”.
وأوضح المرصد في بيان تلقته (حرية) أن مرور هذه المدة من دون الإعلان عن إجراءات ميدانية أو نتائج واضحة لمعالجة مصادر التلوث يثير تساؤلات بشأن جدية الاستجابة الحكومية، ومدى انتقال إعلان الطوارئ من الإطار الرسمي إلى خطط تنفيذية على الأرض.
ولا تقتصر الأزمة البيئية، بحسب المرصد، على مصدر واحد، إذ تتوزع بين الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الصناعية والنفطية، وحرق النفايات بصورة عشوائية، وتصريف المياه الملوثة في الأنهار والمسطحات المائية، فضلاً عن التجاوزات التي تتطلب رقابة مستمرة وإجراءات رادعة.
وفي ما يتعلق بالمعالجات، أشار المرصد إلى أن المسؤولين في الوزارات والهيئات المعنية أفادوا بأن اللجنة أوصت بمشاريع قصيرة وبعيدة الأمد؛ إذ يمكن إنجاز المشاريع قصيرة الأمد خلال عام، فيما تمتد المشاريع طويلة الأمد من 25 إلى 50 سنة، فضلاً عن حاجتها إلى مبالغ كبيرة تصل إلى مليارات الدولارات.
وتضع هذه الكلفة خطط المعالجة أمام تحدٍ مالي، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق، ولا سيما أن التعامل مع مصادر التلوث المتعددة يتطلب مشاريع مستمرة وتنسيقاً بين الجهات الحكومية المعنية، وليس إجراءات محدودة أو مؤقتة.
وشدد المرصد على أن إعلان الطوارئ كان ينبغي أن يتبعه تحديد بؤر التلوث ذات الأولوية، وإجراء مسوحات ميدانية لتقييم الأضرار، ووضع جدول زمني لمعالجة المواقع الأكثر خطورة، إلى جانب إلزام الجهات المتسببة بالتلوث باتخاذ إجراءات تصحيحية ومحاسبة المخالفين.
كما دعا إلى تنسيق فعلي بين وزارة البيئة والوزارات والدوائر المعنية بالصناعة والنفط والموارد المائية والبلديات وأمانة بغداد، لمعالجة مصادر التلوث من جذورها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع آثارها.
وطالب مرصد العراق الأخضر وزارة البيئة بالإعلان عن حصيلة الإجراءات المتخذة منذ إعلان الطوارئ، والكشف عن المواقع التي شملتها الحملات الرقابية وعدد المخالفات المسجلة والجهات التي تمت محاسبتها، فضلاً عن نشر خطة تتضمن أولويات المعالجة ومواعيد التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج.
ففي نيسان 2026 شكّل مجلس النواب لجنة تحقيقية لمتابعة تلوث نهري دجلة وديالى، بعد تسرب مياه آسنة ومخلفات صناعية إلى مجرى النهر، وما رافق ذلك من توقف إمدادات المياه عن واسط ونفوق أعداد كبيرة من الأسماك.
كما رصد فريق بيئي في حزيران 54 موقعاً ومخالفة على امتداد نهر الفرات بين الحدود السورية وبحيرة حديثة، شملت تصريف مياه الصرف الصحي ورمي مخلفات الدواجن والأنقاض والتجاوزات على ضفاف النهر.
وفي 24 أيلول 2026، صوّت مجلس النواب على توصيات لجنة الأمر النيابي رقم (63) بشأن تلوث دجلة والفرات، بالتزامن مع إعلان وزارة البيئة حالة الطوارئ وإطلاق منصة للرصد والاستجابة للبلاغات البيئية، فضلاً عن التوجه لإنشاء محطات لمراقبة تلوث المياه.
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة سبقت إعلان الطوارئ، وأن التحدي يتمثل في تحويل التوصيات والمنصات الرقابية إلى إجراءات تنفيذية تحدد مصادر التلوث وتوقفها.
كما أشار تقييم للبنك الدولي إلى وجود 76 موقعاً يُشتبه بتلوثها بمواد هيدروكربونية وكيميائية في العراق، خضع 69 منها لتقييم ميداني، وقدّر مساحة الأراضي المحتمل تلوثها بنحو 1,333 هكتاراً، مع تأثر عشرات آلاف السكان بصورة مباشرة وأكثر من 1.7 مليون شخص بصورة غير مباشرة.







