حرية
مع انطلاق الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية في روما، لا يبدو أن معركة الجنوب اللبناني تدور فقط حول حدود أو انسحابات عسكرية، بل حول سؤال أكثر حساسية: ما الذي يمكن لحزب الله أن يتخلى عنه، وما الذي يعتبره خطاً أحمر؟
وتكشف معلومات أمنية متداولة عن اعتماد الحزب تصنيفاً داخلياً لمواقعه العسكرية في جنوب لبنان إلى ثلاثة مستويات، في خطوة تعكس محاولة إدارة الضغوط الدولية والإسرائيلية من جهة، والحفاظ على البنية العسكرية الأساسية من جهة أخرى.
استراتيجية “التضحية بالأطراف لحماية القلب”
بحسب مصدر أمني لبناني، فإن الحزب لا ينظر إلى جميع مواقعه بالدرجة نفسها من الأهمية، بل يقسمها وفق طبيعة المنشآت والأسلحة ودورها العملياتي.
ويقوم هذا التصنيف على مبدأ واضح؛ التخلي عن المواقع التي يمكن تعويضها، مقابل التمسك بالمراكز التي تمثل العمود الفقري للقيادة والسيطرة.
وبذلك، يصبح الانتشار المرتقب للجيش اللبناني في بعض المناطق قابلاً للتنفيذ إذا اقتصر على المواقع الثانوية، لكنه يتحول إلى أزمة إذا اقترب من المنشآت التي تشكل مركز القرار العسكري للحزب.
المستوى الأول… قلب المنظومة العسكرية
يضم المستوى الأول أكثر المواقع حساسية، وتشمل مراكز القيادة والسيطرة، وشبكات الاتصالات الرئيسية، والأنفاق العميقة، ومستودعات الأسلحة النوعية، إضافة إلى المواقع المرتفعة التي تمنح أفضلية في المراقبة وإدارة العمليات.
وتبرز قلعة الشقيف وتلة علي الطاهر في مقدمة هذه المواقع، نظراً لما تمثلانه من قيمة عسكرية وجغرافية في جنوب لبنان.
وترى التقديرات أن خسارة هذه المواقع لا تعني فقدان نقطة ميدانية فقط، بل قد تكشف أجزاء من منظومة القيادة وتؤثر في قدرة الحزب على إدارة عملياته العسكرية، وهو ما يجعلها، وفق المصدر، غير قابلة للتسليم أو التفكيك.
ويأتي ذلك بعدما أعلنت إسرائيل سابقاً تدمير شبكة أنفاق واسعة في محيط قلعة الشقيف، قالت إنها كانت تضم مركز قيادة لوحدة “بدر” وتستخدم لإدارة عمليات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
المستوى الثاني… قابل للمساومة
يشمل هذا المستوى مواقع الإسناد والدعم، مثل مخازن الذخيرة التقليدية، وورش صيانة الأسلحة، ومراكز الإمداد، ومقار إقامة المقاتلين، وبعض الأنفاق القصيرة ومنصات الإطلاق.
ورغم أهميتها العملياتية، فإن هذه المنشآت لا تضم مراكز القيادة أو منظومات الاتصال الرئيسية، ما يمنح الحزب هامشاً لإخلائها أو نقل محتوياتها إذا اقتضت الظروف.
ويرى المصدر أن الحزب قد يسمح بدخول الجيش اللبناني إلى بعض هذه المواقع بعد إزالة المعدات الحساسة، بما يتيح له إظهار قدر من التعاون مع الدولة دون المساس ببنيته العسكرية الأساسية.
المستوى الثالث… مواقع فقدت قيمتها
أما المستوى الثالث فيضم المواقع الأقل أهمية، مثل نقاط الرصد القديمة، والمخابئ المكشوفة، والمستودعات الصغيرة، وبعض منصات الإطلاق البدائية التي أصبحت معروفة لسلاح الجو الإسرائيلي.
ويشير المصدر إلى أن التخلي عن هذه المواقع لا يترك أثراً كبيراً على القدرات العسكرية للحزب، لذلك يمكن استخدامها كورقة لإظهار الالتزام بخطة انتشار الجيش اللبناني.
اختبار الجيش اللبناني
يتزامن هذا التصنيف مع استمرار تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني ومصادرة الأسلحة غير الخاضعة للدولة داخل المناطق التي يخليها الجيش الإسرائيلي.
وقد بدأت بالفعل تجربة أولى في زوطر الغربية، إلا أن تنفيذ الاتفاق ما يزال بطيئاً، وسط خلافات بشأن آليات التحقق من نزع السلاح واستمرار الوجود الإسرائيلي في محيط بعض المناطق.
ويرى المصدر الأمني أن إسرائيل تسعى إلى دفع الجيش اللبناني نحو التقدم إلى مواقع المستوى الأول، لأنها تدرك أن الحزب سيرفض التخلي عنها.
وفي حال اكتفى الجيش بالمواقع الثانوية، قد تعتبر تل أبيب أن الانتشار شكلي ولم يحقق الهدف الأساسي، أما إذا حاول دخول المواقع الحساسة، فقد يجد نفسه أمام مواجهة مباشرة مع حزب الله، وهو السيناريو الذي تسعى الدولة اللبنانية إلى تجنبه.
معركة النفوذ لا الجغرافيا
تكشف خريطة المستويات الثلاثة أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول السيطرة على التلال أو المباني العسكرية، بل حول مستقبل البنية العسكرية للحزب.
فالحزب، وفق هذا التصور، مستعد لتقديم تنازلات ميدانية محدودة تخفف الضغوط السياسية والدولية، لكنه يرفض المساس بمراكز القيادة وشبكات الأنفاق والأسلحة النوعية التي تشكل أساس قوته العسكرية.
ولهذا، فإن نجاح مفاوضات روما لن يقاس فقط بعدد المناطق التي سينتشر فيها الجيش اللبناني، بل بمدى قدرة الأطراف على معالجة العقدة الأساسية: هل يمكن للدولة اللبنانية أن تبسط سلطتها الكاملة على الجنوب، أم أن الخطوط الحمراء التي يرسمها حزب الله ستبقي الجزء الأهم من منظومته العسكرية خارج أي تسوية؟







