د.هبة السامرائي
في مجتمعاتنا العربية .. لا يبدأ الصباح بصوت العصافير، بل بصوت المنبّه الذي يعلن بداية سباقٍ يومي لا نعرف متى ينتهي ..
ننهض على عجل، نرتدي وجوهنا قبل ملابسنا، ونخرج إلى أعمالنا ونحن نحمل على أكتافنا ما هو أثقل من حقائبنا ..
القلق، المسؤوليات، والخوف من التقصير ..
لم يعد العمل مجرد وسيلة للعيش، بل تحوّل عند كثيرين إلى معيارٍ للقيمة ..
يُسأل الإنسان (ماذا تعمل؟) قبل أن يُسأل (كيف حالك؟)
وكأن المهنة اختصرت الإنسان، وكأن الإنجاز أصبح بديلاً عن الطمأنينة ..
في مجتمعاتنا، تتداخل الحاجة مع الضغط، وتختلط الطموحات بالواجبات ..
كثيرون لا يعملون فقط لتحقيق أحلامهم، بل ليحموا أنفسهم من واقعٍ اقتصادي صعب، أو ليثبتوا مكانتهم أمام مجتمعٍ لا يرحم المتعثرين.
فتتحول الوظيفة من اختيار إلى ضرورة ومن مساحة إنتاج إلى مساحة استنزاف.
ومع مرور الوقت، يبدأ التآكل الصامت.
لا يحدث الأمر فجأة بل يبدأ بإرهاقٍ بسيط نتجاهله ثم أرقٍ ليلي نبرّره بكثرة التفكير ثم فقدان للشغف حتى بالأشياء التي كانت تمنحنا الفرح ..
نصبح أقل صبراً، أكثر توتراً، وأقرب إلى الانفجار لأسبابٍ صغيرة ..
لكننا نستمر لأن التوقف ليس خياراً سهلاً ..
و في بيئةٍ تُقدّس التحمّل، يُنظر إلى التعب على أنه قوة وإلى الراحة على أنها كسل.
يُمدَح من يعمل لساعاتٍ طويلة ويُلام من يطلب استراحة.
فنُربّى … و دون أن نشعر، على تجاهل إشاراتنا الداخلية وعلى دفع أنفسنا إلى ما بعد حدودها ..
لكن السؤال الذي نؤجله دائماً يظل حاضراً ..
هل نحن نعيش لنعمل، أم نعمل لنعيش؟
حين يسرق العمل وقتنا مع عائلاتنا ويؤجل لقاءاتنا
ويستنزف طاقتنا حتى لا يبقى لنا شيء لأنفسنا فإن المعادلة تبدأ بالاختلال ..
ليست المشكلة في العمل ذاته، بل في العلاقة التي بنيناها معه.
فحين يصبح العمل هو المصدر الوحيد للمعنى، نضع أنفسنا في معادلة قاسية …
إما أن ننجح فنُستنزف، أو نتعب فنشعر بالفشل.
والأخطر من ذلك أن كثيرين لا يكتشفون هذا إلا بعد فوات الأوان ..بعد أن تصبح الراحة غريبة، والهدوء مقلقاً، والفراغ عبئاً لا يُحتمل ..
لكن، هل يمكن إعادة التوازن؟
ربما لا نستطيع تغيير ظروف الحياة بسهولة، لكن يمكننا أن نغيّر طريقة تعاملنا معها.
أن ندرك أن قيمتنا لا تُقاس فقط بما ننجزه ..
وأن الإنسان ليس آلة إنتاج، بل كائن يحتاج إلى التوازن.
أن نمنح أنفسنا حق التوقف .. لا كترف، بل كضرورة …
أن نعيد ترتيب أولوياتنا، فنضع صحتنا النفسية في مقدمة القائمة، لا في نهايتها ..
أن نتعلم قول (لا) حين يتجاوز العمل حدودنا
و(كفى) حين نشعر أن التعب بدأ يلتهمنا.
في مجتمعاتنا، قد لا يكون الحديث عن الصحة النفسية أمراً شائعاً، لكن الصمت لا يلغي الألم ..بل يؤجله ..
نحتاج إلى ثقافة جديدة، ترى في الإنسان كياناً متكاملاً لا مجرد عامل ..
ثقافة تعترف بأن الراحة لا تُنقص من قيمتنا
وأن الاعتناء بالنفس ليس أنانية، بل وعي ..
في النهاية
لسنا هنا لنقضي أعمارنا في سباقٍ لا خط نهاية له.
نحن هنا لنعيش، لنشعر، لنحيا حياةً تستحق أن تُعاش.
فالعمل جزءٌ من حياتنا .. لكنه ليس حياتنا كلها ..
وحين نفهم ذلك جيداً .. نستطيع أن نعيش بتوازنٍ أكبر
دون أن نخسر أنفسنا في الطريق ..







