حرية
يواجه الصحفيون في العراق تحديات متزايدة في الوصول إلى المعلومات الرسمية، في ظل غياب المتحدثين عن عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية، وامتناع بعض المسؤولين عن الإدلاء بتصريحات مباشرة، الأمر الذي يدفع وسائل الإعلام أحياناً إلى الاعتماد على التسريبات أو المعلومات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتعيد هذه الإشكالية إلى الواجهة ملف حق الحصول على المعلومة، باعتباره أحد أبرز الأدوات التي يمكن أن تعزز الشفافية وتدعم الدور الرقابي للصحافة، في وقت لا يزال فيه مشروع القانون الخاص بهذا الحق قيد النقاش داخل مجلس النواب.
وكان مجلس الوزراء قد أقر مشروع قانون حق الحصول على المعلومة وأحاله إلى مجلس النواب، حيث يخضع لمناقشات وتعديلات قبل التصويت عليه وإدخاله حيز التنفيذ بصورة نهائية.
المعلومة خلف الأبواب المغلقة
ويقول عضو تحالف الدفاع عن حرية التعبير في العراق، وسام الملا، إن الصحفيين يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المعلومات من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، مشيراً إلى أن غياب المتحدثين الرسميين عن عدد من الوزارات يزيد من تعقيد العمل الصحفي.
ويضيف أن بعض المتحدثين الرسميين يكتفون بإصدار البيانات ولا يتفاعلون مع أسئلة الصحفيين، في وقت أصبحت فيه البيروقراطية داخل المؤسسات الحكومية عائقاً أمام الحصول على المعلومة في الوقت المناسب.
ويرى الملا أن استمرار حجب المعلومات الرسمية يتناقض مع طبيعة العمل الإعلامي الحديث، خصوصاً مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي وسرعة تداول الأخبار، محذراً من أن ترك الفراغ المعلوماتي قد يفتح المجال أمام الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
ويؤكد أن تشريع قانون حق الحصول على المعلومة يجب أن يراعي المعايير الديمقراطية، وألا يتحول إلى أداة لفرض قيود جديدة على الصحفيين، داعياً مجلس النواب إلى إشراك الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني والمتخصصين في مناقشة مواده قبل إقراره.
كما يشدد على ضرورة تعيين متحدثين رسميين في الوزارات والمؤسسات الحكومية، ومنحهم صلاحيات واضحة تتيح لهم الإجابة عن استفسارات وسائل الإعلام وتقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام.
عندما تصبح المصادر غير الرسمية بديلاً
وفي ظل صعوبة الوصول إلى المسؤولين، يجد الصحفيون أنفسهم مضطرين في بعض الحالات إلى الاستناد إلى تصريحات قديمة لتغطية تطورات جديدة، أو اللجوء إلى مصادر داخل المؤسسات الحكومية للحصول على المعلومات، مع الحفاظ على سرية هوياتها.
ويحذر أكاديميون وإعلاميون من أن استمرار هذه الحالة يضعف جودة العمل الصحفي، لأن المعلومة غير المحدثة قد لا تعكس التطورات الفعلية، فيما يصعب على الصحفي التأكد من المعلومات المتداولة من مصادر غير رسمية.
ويقول الأكاديمي في كلية الإعلام بالجامعة العراقية، علاء نجاح، إن الخلافات حول قانون حق الحصول على المعلومة استمرت خلال الحكومات السابقة، معتبراً أن إقراره يمكن أن يمثل خطوة مهمة في تمكين الصحفيين من الوصول إلى المعلومات.
ويشير إلى أن الصحفيين تعرضوا خلال السنوات الماضية لضغوط ودعاوى قضائية بسبب تناول ملفات تتعلق بالمسؤولين والمؤسسات الحكومية، مؤكداً أن ضعف المؤسسات الإعلامية أمام أصحاب النفوذ ساهم في تضييق مساحة العمل الصحفي.
ويرى نجاح أن وجود قانون واضح ينظم عملية الحصول على المعلومات من شأنه أن يوفر حماية أفضل للصحفيين، ويمنحهم أساساً قانونياً في التعامل مع المؤسسات الحكومية.
الشائعات تستفيد من غياب المعلومة
من جانبه، يرى الإعلامي خطاب عادل أن الحاجة إلى تشريع قانون واضح لحق الحصول على المعلومة أصبحت ملحة، خصوصاً مع تزايد صعوبة الوصول إلى البيانات الرسمية.
ويقول إن حجب المعلومات يدفع المؤسسات الإعلامية والمراسلين إلى الاعتماد على ما يوصف بـ«المتداول»، وهو ما أصبح مصدراً شائعاً للأخبار في ظل غياب الموقف الرسمي السريع.
ويضيف أن ضعف العلاقة المهنية بين الصحفيين والمتحدثين باسم الوزارات والمؤسسات الحكومية أسهم في انتشار الشائعات، وأثر بشكل مباشر في قدرة الصحفي على أداء مهمته الميدانية ونقل المعلومات من مصادرها الأصلية.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر عندما يواجه الصحفي مسؤولين يرفضون الإجابة عن الأسئلة أو يكتفون بتقديم جزء من المعلومات التي يرغبون في إعلانها، بينما تبقى الأسئلة الأساسية من دون إجابات واضحة.
البيروقراطية تعرقل العمل الصحفي
ويؤكد الصحفي الاستقصائي حسن الشنون أن الحصول على المعلومة الرسمية أو الوثائق اللازمة لإنجاز التحقيقات والتقارير الصحفية أصبح مهمة شاقة، حتى عندما تكون المعلومات المطلوبة غير حساسة أو بسيطة.
ويشير إلى أن الصحفي قد يضطر إلى إجراء سلسلة طويلة من الاتصالات والمخاطبات الرسمية وانتظار الردود لفترات طويلة، من دون الحصول في النهاية على إجابة واضحة.
ويرى الشنون أن المشكلة لا ترتبط فقط بعدم وجود قانون فعال لحق الحصول على المعلومات، وإنما بثقافة إدارية ما تزال تنظر إلى المعلومة باعتبارها شيئاً يمكن حجبه، بدلاً من التعامل معها بوصفها حقاً للجمهور وأداة أساسية لتحقيق الشفافية.
ويضيف أن غياب المتحدثين الرسميين عن عدد من الوزارات والمؤسسات يجعل الصحفي أمام «أبواب مغلقة» عندما يحاول الحصول على موقف حكومي أو توضيح بشأن قضية تحظى باهتمام الرأي العام.
قانون لا يحول الشفافية إلى قيد جديد
ويجمع مختصون وإعلاميون على أن تشريع قانون حق الحصول على المعلومة يمكن أن يشكل نقلة مهمة في العلاقة بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، من خلال تحديد آليات واضحة لطلب البيانات والرد عليها، وتعزيز الرقابة الشعبية والمساءلة.
لكن التحدي لا يكمن في إقرار القانون فقط، بل في صياغته بصورة تضمن حق الوصول إلى المعلومات غير السرية، وتحدد الاستثناءات بدقة، حتى لا تتحول عبارات فضفاضة تتعلق بالأمن أو المصلحة العامة إلى مبررات لحجب المعلومات.
كما أن نجاح القانون يتطلب بناء منظومة متكاملة داخل المؤسسات الحكومية، تبدأ بتفعيل مكاتب الإعلام والمتحدثين الرسميين، وتحديد مدد زمنية للرد على استفسارات الصحفيين، وتوفير قواعد بيانات رسمية ومحدثة يمكن الوصول إليها بسهولة.
ففي عصر تتدفق فيه المعلومات خلال دقائق، لم يعد غياب المعلومة الرسمية مجرد مشكلة إعلامية، بل أصبح ثغرة يمكن أن تستغلها الشائعات والمعلومات المضللة.
وبينما ينتظر الصحفي العراقي قانوناً يمنحه حقاً واضحاً في الوصول إلى المعلومة، تبقى المسؤولية مشتركة بين السلطة التشريعية والمؤسسات التنفيذية ووسائل الإعلام، لأن بناء إعلام مهني وقادر على ممارسة دوره الرقابي يبدأ من معلومة رسمية واضحة، متاحة في وقتها، ومحكومة بالقانون لا بالاجتهادات الشخصية.






