حرية | 23 آذار 2026 – أعداد: قسم الاخبار
في واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط توتراً، تتصادم الروايات لا الصواريخ فقط. إعلان أميركي عن “محادثات عميقة ومثمرة” يقابله نفي إيراني حاد يصل إلى حد التأكيد بأن التفاوض “لم يحدث ولن يحدث”. وبين التصريحين، تتكشف ملامح معركة من نوع آخر معركة السيطرة على السردية قبل السيطرة على الميدان.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا خلال اليومين الماضيين محادثات وصفها بأنها “جيدة جداً ومثمرة”، مؤكداً استمرارها طوال الأسبوع بهدف الوصول إلى “حل كامل ونهائي” لحالة العداء.
وبالتوازي، قررت واشنطن تأجيل أي ضربات عسكرية تستهدف البنية التحتية للطاقة في إيران لمدة خمسة أيام، في خطوة رُبطت مباشرة بإتاحة المجال أمام المسار التفاوضي.

في المقابل، نقلت وكالة تسنيم عن مصدر مطّلع نفيه القاطع إجراء أي مفاوضات مع ترامب، مؤكداً أن ذلك “لم يحدث ولن يحدث”، ومضيفاً أن مضيق هرمز “لن يعود إلى وضعه قبل الحرب”، في إشارة إلى احتمال استمرار التوتر في هذا الممر الحيوي.
Estimated reading time: 4 دقائق
التناقض بين التصريحين ليس عرضياً، بل يعكس استراتيجية متعمدة من الطرفين ضمن ما يُعرف بالحرب النفسية والدبلوماسية الإعلامية.
أولاً: لماذا تقول واشنطن إن هناك مفاوضات؟
هناك عدة أهداف محتملة:
إظهار أن الإدارة الأميركية تمسك بزمام المبادرة وتتحكم بمسار الأزمة
طمأنة الأسواق العالمية ومنع انهيار اقتصادي نتيجة التصعيد
ممارسة ضغط نفسي على إيران عبر الإيحاء بوجود تقدم دبلوماسي
تبرير تأجيل الضربة العسكرية أمام الرأي العام الداخلي
بمعنى أدق، إعلان التفاوض قد يكون جزءاً من إدارة الأزمة وليس وصفاً دقيقاً لكل تفاصيلها.
ثانياً: لماذا تنفي طهران ذلك بشكل قاطع؟
النفي الإيراني يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية:
رفض الظهور بموقع الطرف الذي خضع للضغط الأميركي
الحفاظ على خطاب “الندية والصمود” أمام الداخل الإيراني
إدارة التوازن مع الحلفاء الإقليميين الذين يرفضون التفاوض المباشر
إبقاء قنوات التفاوض – إن وجدت – في إطار سري وغير معلن
كما أن التجربة التاريخية تشير إلى أن إيران غالباً ما تنفي التفاوض العلني، حتى في حال وجود قنوات خلفية نشطة.
ثالثاً: ماذا يعني ذلك فعلياً؟
الأرجح أن:هناك قنوات اتصال غير مباشرة (وسطاء، رسائل، تفاهمات جزئية) لكن لا يوجد “تفاوض رسمي مباشر” بالمعنى السياسي الكامل وهذا يفسر:
إعلان أميركي عن “محادثات”
مقابل نفي إيراني لـ”التفاوض المباشر”
أي أن الطرفين يتحدثان عن مستويين مختلفين من الاتصال.
الخلفية:
يأتي هذا التضارب في سياق تصعيد غير مسبوق بين واشنطن وطهران، تضمن:
تهديدات أميركية بضرب منشآت الطاقة الإيرانية
تلويح إيراني بإغلاق أو تعطيل مضيق هرمز
ارتفاع أسعار النفط ومخاوف من أزمة طاقة عالمية
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي توتر فيه قضية دولية بامتياز.
التناقض بين واشنطن وطهران لا يعني غياب التفاوض، بل يعكس شكله الحقيقي:
تفاوض غير مباشر
إدارة إعلامية متناقضة
وصراع على من يكتب رواية المرحلة
وفي ظل هذا المشهد، تبقى الحقيقة الأهم:ما يجري خلف الكواليس قد يكون أخطر وأكثر حسماً مما يُقال أمام الكاميرات.








