حرية
بدت الحرب الأوكرانية خلال الأيام الماضية وكأنها تقف على حافة انتقال خطير نحو مرحلة أكثر تصعيداً وتعقيداً، بعدما تصاعدت التهديدات المتبادلة بين موسكو وكييف بصورة غير مسبوقة، وسط مخاوف دولية من انهيار ما تبقى من فرص التسوية السياسية وتحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح الأمن الأوروبي والعالمي لسنوات طويلة.
ففي وقت لوّحت فيه أوكرانيا باستهداف احتفالات روسيا بـ”عيد النصر” في التاسع من مايو، رفعت موسكو مستوى استعداداتها العسكرية والأمنية، وأرسلت رسائل حادة إلى العواصم الغربية، مؤكدة أن أي تصعيد سيقابل برد “قاسٍ ومؤلم”، فيما اتخذت السلطات الروسية إجراءات أمنية استثنائية، وألغت جزءاً واسعاً من الفعاليات العامة، مع تحذيرات مباشرة للبعثات الأجنبية بضرورة سحب رعاياها من أوكرانيا تحسباً لانفجار واسع.
وبينما كانت الأجواء تتجه نحو انفجار عسكري جديد، تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اللحظة الأخيرة معلناً هدنة مؤقتة لثلاثة أيام، في خطوة اعتُبرت محاولة عاجلة لاحتواء الانزلاق نحو مواجهة أكبر. وسرعان ما وافقت موسكو وكييف على وقف إطلاق النار، رغم تسجيل خروقات ميدانية محدودة، ما أعاد فتح باب التساؤلات بشأن إمكانية إحياء المسار السياسي مجدداً.
الهدنة المؤقتة أعادت ترمب إلى واجهة الملف الأوكراني بعد أشهر من انشغاله بالأزمة الإيرانية، إذ بدأ البيت الأبيض الحديث عن هدنة أطول ومحادثات جديدة، بالتزامن مع ترتيبات لزيارة مبعوثين أميركيين إلى موسكو، في مؤشر على رغبة واشنطن باستعادة زمام المبادرة السياسية في الحرب.
لكن خلف أجواء التهدئة المؤقتة، بدا واضحاً أن الفجوة بين موسكو وكييف ما تزال عميقة. فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واصل التمسك بالموقف الأوروبي الداعم لأوكرانيا، فيما أعادت موسكو التأكيد على شروطها الأساسية لأي اتفاق، وفي مقدمتها الاعتراف الكامل بسيادتها على إقليم دونباس وانسحاب القوات الأوكرانية منه بشكل كامل وغير مشروط.
ورغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحدث عن “اقتراب نهاية الحرب”، وأبدى استعداده للقاء زيلينسكي “في أي مكان”، إلا أن الكرملين أوضح أن أي لقاء يجب أن يأتي بعد التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، لا أن يكون مدخلاً للتفاوض، ما يعكس استمرار تمسك موسكو بسقفها السياسي والعسكري المرتفع.
وفي الداخل الروسي، أثارت تصريحات بوتين تفسيرات متباينة. فبينما رأى بعض المحللين المقربين من الكرملين أن الغرب يسيء فهم الرسائل الروسية ويبالغ في التفاؤل بقرب التسوية، اعتبر آخرون أن أوروبا بدأت تدرك استحالة هزيمة روسيا عسكرياً، وبدأت فعلياً بالبحث عن قنوات حوار مع موسكو.
لكن العامل الأكثر حضوراً في الخطاب الروسي خلال المرحلة الحالية يتمثل في تحميل أوروبا مسؤولية إطالة أمد الحرب. فموسكو ترى أن العواصم الأوروبية لا تسعى إلى السلام بقدر ما تعمل على تحويل أوكرانيا إلى خط دفاع متقدم ضد روسيا، عبر تسريع برامج التسليح والتصنيع العسكري المشترك، ودعم كييف مالياً وعسكرياً على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، تنظر موسكو بعين القلق إلى خطط “عسكرة أوروبا” التي تتسارع منذ مطلع العام الحالي، خصوصاً مع إعلان مشاريع أوروبية مشتركة لإنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى داخل أوكرانيا، إلى جانب الخطط الأوروبية الرامية إلى تعزيز القدرات الدفاعية للقارة حتى عام 2030.
وترى الأوساط القريبة من الكرملين أن الاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد داعم سياسي لكييف، بل تحول تدريجياً إلى “تكتل عسكري” يسعى إلى بناء منظومة أمنية أوروبية جديدة تكون أوكرانيا عمودها الفقري، وهو ما تعتبره موسكو تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ويزداد القلق الروسي مع تصاعد الدعوات الأوروبية لإنشاء “جيش أوروبي موحد”، وهي الفكرة التي دعمها زيلينسكي علناً حين دعا إلى بناء قوة عسكرية أوروبية قادرة على مواجهة روسيا مستقبلاً، معتبراً أن أمن أوروبا بات مرتبطاً مباشرة بنتيجة الحرب في أوكرانيا.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى استراحة مؤقتة منها إلى بداية نهاية الحرب. فكل المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن الأطراف الكبرى ما تزال تستعد لصراع طويل، وأن مشاريع التسليح وإعادة التموضع العسكري تتقدم بوتيرة أسرع من أي جهود حقيقية للتسوية.
وبينما تحاول واشنطن الدفع نحو إعادة إحياء التفاوض، يبدو أن أوروبا تتحرك في اتجاه مختلف يقوم على تعزيز المواجهة الاستراتيجية مع موسكو، في وقت تؤكد فيه روسيا أنها لن تتراجع عن أهدافها المعلنة قبل فرض واقع سياسي وعسكري جديد على الأرض.
وهكذا، تبقى الحرب الأوكرانية معلقة بين هدنة هشة ومفاوضات متعثرة واستعدادات متسارعة لمواجهة قد تكون الأطول والأكثر كلفة في تاريخ أوروبا الحديث.





