حرية
مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية – الإيرانية، يعود احتمال التصعيد العسكري إلى واجهة المشهد في واشنطن وطهران، وإن بصيغ مختلفة عن جولة الحرب السابقة التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي. غير أن النقاش لم يعد محصوراً في الملف النووي أو حجم الخسائر العسكرية، بل اتسع ليشمل سؤالاً أكثر عمقاً: من يملك زمام الوقت في هذه المواجهة، ومن يستطيع تحويله إلى أداة ضغط حقيقية؟
في هذا السياق، يرى محللون أن إيران تراهن على إطالة أمد الأزمة، وتعطيل حركة مضيق هرمز، وتوسيع تداعياتها الاقتصادية عالمياً، إلى جانب التعويل على الصين وروسيا ومجموعة «بريكس»، في محاولة لدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تخفيف شروطه السياسية. إلا أن هذا الرهان، بحسب تقديرات مختلفة، يصطدم بوقائع تتعلق بميزان القوة والجغرافيا والتحالفات الدولية، والتي لا تبدو في صالح طهران.
فإيران، التي تتحدث عن «مكسب استراتيجي» في مضيق هرمز وعن إعادة تنظيم إدارة الممر البحري، تواجه في الوقت نفسه عزلة إقليمية ودولية متزايدة. وتظهر هذه العزلة ليس فقط في علاقاتها المتوترة مع دول الخليج، بل أيضاً في محدودية التعاطف الدولي معها، في ظل تصنيفها من قبل قوى غربية على أنها طرف يهدد الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي.
ويرى مراقبون أن امتلاك أدوات تعطيل مؤثرة لا يكفي وحده لتحقيق تفوق استراتيجي، إذ إن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات واسعة، وتحمل الكلفة الاقتصادية والسياسية، ومنع الضغوط الخارجية من التحول إلى اضطرابات داخلية.
في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى ما يعتبره رصيداً تراكمياً من أدوات القوة منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، بدءاً من السياسات التجارية وإعادة تشكيل التوازنات الدولية، مروراً بالتحركات العسكرية في أميركا اللاتينية، ووصولاً إلى رعايته لهدنة غزة، فضلاً عن مقاربته لإنهاء الدور الإقليمي الإيراني. ومن هذا المنظور، لا يبدو أن “لعبة الوقت” تميل تلقائياً لصالح طهران.
مضيق هرمز: ورقة قوة أم عبء استراتيجي؟
تتعامل إيران مع مضيق هرمز بوصفه الورقة الأشد تأثيراً في يدها، إذ يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. وبعد الحرب، لم تعد طهران تكتفي بتهديد حركة الملاحة، بل ذهبت إلى طرح مفهوم «إدارة استراتيجية» للمضيق، وربط تشغيله بفرض رسوم على السفن، وبشروط سياسية تتعلق بالعقوبات والأصول المجمدة والاعتراف بدورها الإقليمي.
لكن هذا التوجه، وفق محللين، يحمل في طياته مخاطر مضاعفة على إيران نفسها. فكلما زادت محاولات تحويل هرمز إلى أداة ضغط اقتصادي عالمي، تعززت القناعة لدى خصومها بأن المشكلة لم تعد نووية أو صاروخية فقط، بل تتعلق بتهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي. وهو ما يفسر محدودية التعاطف الدولي مع طهران رغم الكلفة الاقتصادية للتصعيد.
وفي المقابل، فإن الرهان الإيراني على الصين لا يبدو مضمون النتائج. فرغم كون بكين أكبر مستورد للنفط الإيراني، فإنها تتحرك وفق حسابات اقتصادية بحتة ترتبط باستقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. وأي تهديد لمضيق هرمز قد يدفع الصين إلى الضغط على طهران بدلاً من دعمها، لا سيما إذا طال الضرر مصالحها الاستراتيجية.
إقليمياً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فدول الخليج تنظر إلى أي تصعيد في هرمز باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي، وليس مجرد ورقة تفاوضية. وحتى مع غياب رغبة في الانزلاق إلى حرب مفتوحة، فإن ذلك لا يعني قبول منح إيران دوراً منفرداً في إدارة الممر البحري أو شرعنة إجراءاتها فيه.
القوة العسكرية وحدها لا تحسم المعادلة
على المستوى العسكري، تشير تقديرات استخباراتية إلى أن إيران ما تزال تحتفظ بجزء كبير من قدراتها الصاروخية، إضافة إلى استعادة الوصول إلى عدد من مواقعها الاستراتيجية في محيط مضيق هرمز. غير أن هذه المعطيات، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لترجيح كفة التفوق.
فامتلاك القدرات العسكرية شيء، وتحويلها إلى مكسب سياسي مستدام شيء آخر. إذ خرجت إيران من جولة المواجهة وهي تواجه مزيجاً من الضغوط الاقتصادية، والتحديات الداخلية، وتراجع البنية التحتية، ما يجعل خيار الاستنزاف المفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل مكلفاً للغاية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه طهران توظيف هذه المعطيات لتعزيز روايتها الداخلية بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بارتفاع كلفة أي مواجهة جديدة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع إيران البقاء طويلاً في حالة لا حرب ولا سلم دون انفجار داخلي؟
الخطر الداخلي: التهديد الأكثر حساسية
في هذا السياق، لا يقتصر التحدي الإيراني على المواجهة الخارجية، بل يمتد إلى الداخل، حيث تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع فرص العمل. ويشير بعض التقديرات إلى أن أي تصعيد خارجي قد يتقاطع مع احتقان داخلي قابل للانفجار.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة مع الحديث عن مشاركة قوات «الباسيج» في تدريبات أمنية، ما يُفهم منه أن النظام لا يستعد فقط لاحتمالات تصعيد خارجي، بل أيضاً لسيناريوهات اضطراب داخلي.
وبين رهانات هرمز، وضغوط الاقتصاد، وتعقيدات التحالفات الدولية، تبدو المعادلة الإيرانية أكثر هشاشة مما توحي به الخطابات السياسية. فالمسألة لم تعد فقط من يملك أدوات القوة، بل من يستطيع تحويلها إلى استقرار سياسي طويل الأمد في عالم يتغير بسرعة، ولا يمنح الوقت لمن لا يملك القدرة على استثماره.






