رغد بنت زيد
تتجه الأنظار إلى القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين وسط ترقب واسع لما قد تكشفه المحادثات بشأن مستقبل العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم في لحظة دولية تتقاطع فيها الحرب مع إيران مع التنافس الإستراتيجي المتصاعد بين واشنطن وبكين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ورغم الطابع البروتوكولي المعتاد الذي يرافق لقاءات الزعيمين من مصافحات محسوبة ورسائل سياسية مدروسة وتصريحات عن “فرص تاريخية” فإن القمة تأتي هذه المرة في سياق مختلف يعكس حالة متزايدة من الغموض حول قدرة الولايات المتحدة على صياغة إستراتيجية متماسكة تجاه آسيا في وقت تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية والأمنية والعسكرية على نحو غير مسبوق.
فبالنسبة لكثير من العواصم الآسيوية لم تعد المنافسة الأمريكية–الصينية مجرد صراع نفوذ اقتصادي بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي وشكل التوازنات الإقليمية في العقود المقبلة.
من “التحول نحو آسيا” إلى سياسة الضغوط
على مدى أكثر من عقد تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها مركز الثقل الجيوسياسي العالمي.
ففي عهد باراك أوباما تبنت واشنطن سياسة “التحول نحو آسيا” بهدف طمأنة الحلفاء الآسيويين بشأن الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن المنطقة في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد.
لاحقًا عملت إدارة جو بايدن على توسيع شبكات الشراكات الأمنية والتكنولوجية مع دول آسيا والمحيط الهادئ في محاولة لموازنة صعود الصين دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها.
لكن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بحسب تقديرات سياسية متزايدة أعادت صياغة المقاربة الأمريكية بطريقة أكثر صدامية قائمة على القومية الاقتصادية والضغط التجاري والتنافس الصناعي دون توفير الغطاء الدبلوماسي الواسع الذي منح الإدارات السابقة قدراً أكبر من الثقة لدى الحلفاء.
فبدلًا من التركيز على بناء تحالفات إستراتيجية طويلة المدى ركز ترامب على فرض الرسوم الجمركية ومطالبة الحلفاء بتحمل تكاليف دفاعية وأمنية أكبر الأمر الذي أثار قلق العديد من الدول الآسيوية التي تخشى التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وبكين.
آسيا بين واشنطن وبكين
اليوم تنظر دول آسيوية عديدة إلى الولايات المتحدة من زاوية أكثر براغماتية خصوصًا مع تصاعد الضغوط الأمريكية لفك الارتباط الاقتصادي مع الصين بالتزامن مع فرض تعريفات جمركية جديدة وتزايد الغموض حول التزامات واشنطن الأمنية طويلة المدى.
وتبرز فيتنام كنموذج واضح لهذه المعضلة بعدما أصبحت خلال السنوات الماضية من أبرز المستفيدين من إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية مع انتقال شركات ومصانع عديدة من الصين إليها نتيجة تصاعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين.
هذا التحول جعل كثيرًا من الاقتصادات الآسيوية عالقة بين الحاجة إلى الحفاظ على شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وبين مصالحها الاقتصادية العميقة مع الصين التي لا تزال الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول المنطقة.
بكين والحرب مع إيران.. “الاستقرار أولًا”
وفي تصريحات له قال نادر رونغ المحلل السياسي والاقتصادي وعضو مجلس إدارة الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط إن بكين تنظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها قضية ترتبط بشكل مباشر بأولوياتها الإستراتيجية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة.
وأوضح رونغ أن الموقف الصيني اتسم منذ بداية الأزمة بـ”الوضوح والثبات والاستمرارية” مشيرًا إلى أن بكين ركزت على المسارات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لدعم جهود الوساطة ووقف التصعيد.
وأكد أن الصين “تبذل أقصى جهودها لدفع جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات” موضحًا أنها لا تمارس ضغوطًا على طرف واحد فقط بل تدعو كلاً من إيران والولايات المتحدة إلى الالتزام بالهدنة وخفض التوترات المرتبطة بـمضيق هرمز والعودة إلى التفاوض المباشر.
وشدد رونغ على أن بكين لا تنظر إلى الحرب مع إيران باعتبارها “مكسبًا إستراتيجيًّا طويل الأمد” بل ترى أن استمرار الأزمة يشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي وهو ما يدفعها إلى تبني نهج قائم على الوساطة وخفض التصعيد بدلًا من الاستثمار السياسي في الأزمة.
هل تمنح واشنطن الصين دور الوسيط؟
من جهته يرى الباحث في الشؤون الآسيوية محمد صلاح الدين أن تداعيات الحرب دفعت دولًا آسيوية عديدة إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا لتأمين احتياجاتها من الطاقة في ظل المخاوف من اضطراب الملاحة في الخليج.
وأوضح أن تركيز واشنطن المتزايد على الشرق الأوسط خلال الأزمة جاء على حساب اهتمامها الأمني بشرق آسيا بالتزامن مع ضغوط مورست على الحلفاء للمشاركة في تأمين الملاحة وفتح مضيق هرمز وهو ما أثار قلقًا لدى دول تعتمد بشكل كبير على استقرار طرق التجارة والطاقة.
وأشار صلاح الدين إلى أن حلفاء واشنطن في آسيا ينظرون إلى التهدئة الاقتصادية والتجارية بين الولايات المتحدة والصين باعتبارها أولوية ضرورية للاستقرار الإقليمي لافتًا إلى أن كوريا الجنوبية تمثل نموذجًا لهذا التوازن خاصة مع استضافتها محادثات تجارية بين القوتين قبيل القمة المرتقبة.
وأضاف أن أي تعاون أمريكي–صيني بشأن التهدئة الإقليمية سيعتمد على استعداد بكين للضغط على إيران وفي المقابل على استعداد واشنطن لمنح الصين دورًا دبلوماسيًا مؤثرًا دون النظر إلى ذلك باعتباره انتصارًا سياسيًّا للرئيس الصيني.
اختبار للنفوذ الأمريكي
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة لا يتعلق فقط بإدارة علاقتها مع الصين بل أيضًا بالحفاظ على ثقة الحلفاء الآسيويين في ظل تصاعد الشكوك حول استقرار الإستراتيجية الأمريكية.
فبحسب مراقبين فإن سياسات ترامب سواء المرتبطة بالرسوم الجمركية أو الضغوط الدفاعية على الحلفاء أو طريقة إدارة الحرب مع إيران منحت بكين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل آسيا.
وفي المقابل تدرك الصين أن أي تصعيد أمريكي يقترب من “الخطوط الحمراء” المرتبطة بـتايوان أو قضايا حقوق الإنسان أو طبيعة النظام السياسي الصيني قد يدفع العلاقات بين القوتين إلى مرحلة أكثر خطورة.
وفي ظل هذه التوازنات المعقدة تبدو قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ اختبارًا حقيقيًّا ليس فقط لمستقبل العلاقات الأمريكية–الصينية بل أيضًا لقدرة واشنطن على الحفاظ على موقعها القيادي في آسيا في وقت تتشابك فيه أزمات الشرق الأوسط مع صراع النفوذ العالمي وتتصاعد فيه المخاوف من ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.







