حرية | إعداد: قسم التحليل السياسي والأمني- قسم الاخبار – مركز حرية الاستشاري الاعلامي
في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في الصراع الأمريكي الإيراني، لم تعد التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي Donald Trump مجرد مواقف سياسية تقليدية، بل تحولت إلى حالة من التناقض الصارخ الذي يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة ما يجري داخل دوائر القرار في واشنطن.
فبين إعلان اقتراب نهاية الحرب، والتلويح بتصعيد واسع، والحديث عن سيطرة على الممرات الحيوية، ثم نفي الحاجة إليها، تتشكل صورة خطاب غير مستقر، يتجاوز حدود “الغموض الاستراتيجي” إلى ما يمكن وصفه بـ”الارتباك المنهجي” أو حتى “إدارة الحرب عبر التناقض”.
أولًا: رواية الوساطة… حرب نفسية مكشوفة
أعلن ترامب أن إيران تسعى إلى وساطات لوقف الحرب، في محاولة واضحة لتصوير طهران كطرف ضعيف يبحث عن مخرج.
لكن الرد الإيراني جاء مباشرًا وسريعًا بالنفي، واعتبار التصريح “كاذبًا ولا أساس له”.
هذا التباين لا يمكن قراءته كخلاف معلوماتي فقط، بل يدخل ضمن أدوات العمليات النفسية (Psychological Operations)، حيث:
واشنطن: تحاول إظهار إيران كمنهكة وتبحث عن تسوية
طهران: تحاول تثبيت صورة الصمود وعدم التراجع
النتيجة: معركة روايات موازية للحرب الميدانية
ثانيًا: نهاية الحرب خلال أيام… لكن الحرب مستمرة
في تصريح لافت، قال ترامب إن الولايات المتحدة تحتاج إلى “أيام قليلة” (وفي سياقات أخرى أسابيع) لإنهاء الحرب، ثم عاد ليؤكد أن الضربات “ستكون قاسية”، وأن الأهداف الاستراتيجية “قاربت الاكتمال”.
لكن على الأرض:
العمليات مستمرة
التوتر يتصاعد
لا مؤشرات على حسم قريب
هذا التناقض يكشف محاولة صناعة نصر مسبق إعلاميًا قبل تحققه ميدانيًا، وهي تقنية معروفة في إدارة الأزمات لاحتواء الرأي العام الداخلي.
ثالثًا: مضيق هرمز… من السيطرة إلى عدم الحاجة
في ملف بالغ الحساسية مثل Strait of Hormuz، جاءت تصريحات ترامب متناقضة بشكل لافت:
مرة: الحديث عن ضمان السيطرة عليه أو إبقائه مفتوحًا
ثم: التأكيد أن الولايات المتحدة “ليست بحاجة إليه أصلًا”
رغم أن هذا المضيق يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وأي تهديد له يرفع أسعار النفط ويهز الأسواق العالمية.
هذا التناقض يعكس أحد أمرين:
إما عدم وجود رؤية استراتيجية واضحة، أو محاولة متعمدة لخلق ضبابية تربك الخصوم والأسواق معًا.
رابعًا: قنوات التواصل الغامضة… بين الحقيقة والدعاية
تحدث ترامب أيضًا عن وجود تواصل مع “شخصية إيرانية دينية مؤثرة (آية الله)” قادرة على التأثير في القرار داخل إيران.
كما تداولت روايات إعلامية غير مؤكدة عن حديثه حول ترشيحه لمنصب “المرشد الأعلى”.
لكن حتى الآن:
لا توجد مصادر موثوقة تؤكد هذه المزاعم بشكل قاطع
إيران لم تلمح إلى أي قناة من هذا النوع
ما يضع هذه التصريحات في خانة:
الرسائل الدعائية أو الضجيج الإعلامي المرتبط بالحرب
خامسًا: تحليل استراتيجي… ماذا يعني هذا التناقض؟
يمكن تفسير هذا السلوك من خلال ثلاثة مستويات متداخلة:
1. البعد النفسي
تصريحات متناقضة تهدف إلى:
إرباك القيادة الإيرانية
اختبار ردود الفعل
خلق ضغط نفسي داخلي وخارجي
2. البعد السياسي الداخلي
ترامب يخاطب جمهورًا أمريكيًا قلقًا من:
طول الحرب
أسعار الطاقة
الكلفة الاقتصادية
لذلك يسعى إلى تقديم صورة “الحسم القريب” حتى لو لم يكن واقعيًا.
3. البعد الاستراتيجي
التناقض قد يكون جزءًا من استراتيجية:
“الغموض التصعيدي”
لكن المشكلة أن الإفراط فيه يؤدي إلى نتيجة عكسية:
تآكل المصداقية
ارتباك الحلفاء
تقليل فعالية الردع
الخلاصة: خطاب القوة أم دليل على الارتباك؟
ما يجري اليوم يتجاوز مجرد تضارب في التصريحات.
نحن أمام نموذج معقد من إدارة الصراع، يجمع بين:
الحرب النفسية
صناعة السرديات
محاولة فرض واقع إعلامي يسبق الواقع الميداني
لكن الخطورة تكمن في أن تكرار التناقضات يحوّل الخطاب الرئاسي من أداة قوة إلى مصدر شك.
وفي الحروب الكبرى، ليست القوة وحدها هي الحاسمة…
بل المصداقية أيضًا.







