حرية
التقرير البريطاني لا يقرأ صعود علي الزيدي بوصفه مجرد تغيير حكومي، بل باعتباره مؤشراً على اهتزاز البنية السياسية التي حكمت العراق منذ 2003، وبدء مرحلة انتقالية تبدو فيها التوازنات القديمة أقل قدرة على الاستمرار.
الفكرة الجوهرية في التقرير أن العراق لا يعيش فقط أزمة حكومة، بل:
“أزمة نظام سياسي كامل”.
فالنموذج الذي قام على:
- توافق القوى الشيعية الكبرى
- الرعاية الإيرانية غير المباشرة
- التفاهم مع الولايات المتحدة
- وتقاسم النفوذ بين الأحزاب والفصائل
بدأ يتعرض لتآكل تدريجي تحت ضغط:
- الانقسامات الداخلية
- الأزمة الاقتصادية
- التوتر الإقليمي
- والضغوط الأمريكية المتزايدة.
لماذا يبدو الزيدي “مرشح مرحلة انتقالية”؟
التقرير يلمح بوضوح إلى أن الزيدي لم يصل نتيجة قوة سياسية مستقلة، بل نتيجة: “عجز القوى التقليدية عن الاتفاق على بديل صدامي”.وهذا مهم جداً. فعندما تفشل الكتل النافذة في فرض مرشحها الكامل، تلجأ غالباً إلى:
- شخصية وسطية
- أقل استفزازاً
- أقل ارتباطاً بالفصائل
- وأكثر قبولاً خارجياً
ومن هنا جاء تقديم الزيدي بوصفه:
- تكنوقراط
- رجل اقتصاد وتمويل
- قليل الانخراط الأيديولوجي
- ولا يمتلك تاريخاً ثقيلاً مع الميليشيات.
لكن المفارقة أن هذه “الميزة” نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعفه الأكبر.
المشكلة الأساسية: من دون ظهير سياسي صلب
رؤساء الحكومات السابقون كانوا يصلون غالباً وهم مدعومون من:
- تحالفات شيعية قوية
- أذرع مسلحة نافذة
- تفاهمات إقليمية واضحة
أما الزيدي، بحسب التقرير، فيقف فوق أرض رخوة. وهذا يعني أنه قد يجد نفسه محاصراً بين:
- الفصائل المسلحة
- الأحزاب التقليدية
- الضغوط الأمريكية
- النفوذ الإيراني
- الأزمة الاقتصادية
- الشارع الغاضب
أي أنه يواجه دولة منقسمة، من دون امتلاك أدوات القوة التقليدية التي تحمي رئيس الحكومة في العراق.
هل يتراجع النفوذ الإيراني فعلاً؟
التقرير يتعامل بحذر مع هذه النقطة. فهو لا يقول إن إيران خسرت العراق، بل يشير إلى أن: “قدرتها على إدارة المشهد بسهولة تراجعت”.
الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، والعقوبات والضغوط المتزايدة، قلّصت هامش الحركة أمام طهران وحلفائها، وخلقت انقسامات داخل البيئة السياسية الشيعية نفسها.
لكن في المقابل، لا تزال إيران تمتلك:
- نفوذاً سياسياً
- علاقات أمنية
- فصائل مسلحة
- شبكة مصالح اقتصادية
- وحضوراً اجتماعياً ودينياً عميقاً
لذلك فالمشهد لا يشير إلى “خروج إيران”، بل إلى:
“تراجع قدرتها على فرض الإجماع”.
السلاح خارج الدولة.. العقدة الأخطر
التقرير يصيب جوهر الأزمة حين يضع ملف السلاح في قلب التحديات. لأن أي حكومة عراقية تحاول:
- ضبط الفصائل
- تقييد التمويل
- أو إعادة هيكلة النفوذ الأمني
تصطدم مباشرة بتوازنات حساسة جداً. الزيدي، بحسب التقرير، يحاول تقديم نفسه كرجل دولة يريد:
- تعزيز احتكار السلاح
- إصلاح المؤسسة الأمنية
- تقوية الدولة المركزية
لكن هذه الملفات ليست إدارية فقط، بل تمس:
- النفوذ الإيراني
- بنية الإطار التنسيقي
- اقتصاد الفصائل
- توازن القوة داخل النظام العراقي.
ولهذا فإن أي تحرك فعلي بهذا الاتجاه قد يتحول إلى: “معركة وجود سياسية وأمنية”.
الاقتصاد.. سلاح الزيدي الوحيد؟
اللافت أن التقرير يطرح احتمال استخدام الزيدي للأدوات الاقتصادية لإضعاف نفوذ الفصائل، عبر:
- ضبط الرواتب
- إعادة هيكلة التمويل
- تقليص الامتيازات
- تعزيز الرقابة المالية
وهذه استراتيجية ذكية نسبياً، لأنها تتجنب الصدام العسكري المباشر. لكنها في الوقت نفسه خطيرة، لأن شبكات المصالح المرتبطة بالفصائل تمتد داخل:
- الدولة
- المنافذ الحدودية
- العقود
- التجارة
- والطاقة.
أي أن الحرب الاقتصادية قد تكون أكثر حساسية من المواجهة الأمنية نفسها.
العراق بين واشنطن وطهران.. الأزمة المستمرة
واحدة من أهم نقاط التقرير هي وصف العراق بأنه: “عالِق بين قوتين متنافستين”. وهذه ليست مبالغة. العراق اليوم يحاول:
- الحفاظ على علاقته مع الولايات المتحدة
- وعدم خسارة إيران
- وطمأنة الخليج
- وتجنب الانفجار الداخلي
لكن التوازن بين هذه القوى أصبح أصعب من أي وقت مضى، خصوصاً مع تصاعد الاستقطاب الإقليمي. ولهذا يبدو الزيدي كمن يحاول: “إدارة تناقضات أكبر من قدرة النظام نفسه”.
هل نحن أمام نهاية نموذج ما بعد 2003؟
هذا ربما أهم استنتاج في التقرير. النظام السياسي الذي تأسس بعد 2003 اعتمد على:
- التوافق الطائفي
- التحالفات المغلقة
- الانضباط الفصائلي
- تقاسم الدولة بين القوى الكبرى
لكن:
- الانقسامات الشيعية
- تراجع الثقة الشعبية
- الأزمات الاقتصادية
- الضغوط الخارجية
- وصعود الأجنحة المتنافسة
كلها عوامل تشير إلى أن النموذج القديم بدأ يفقد تماسكه تدريجياً. ليس بالضرورة أن ينهار فوراً، لكنه لم يعد مستقراً كما كان.
الزيدي.. فرصة أخيرة أم مرحلة مؤقتة؟ التقرير يقدّم الزيدي بوصفه: “رجل التسوية المؤقتة”.شخصية قد تساعد على:
- تهدئة الصراع
- إعادة ترتيب التوازنات
- منع الانفجار السياسي
- وشراء الوقت للنظام العراقي.
لكن نجاحه الحقيقي يعتمد على سؤال أكبر: هل القوى المتصارعة مستعدة فعلاً للتخلي عن قواعد اللعبة القديمة؟
صعود الزيدي لا يعكس فقط تغييراً حكومياً، بل يكشف دخول العراق مرحلة إعادة تشكيل بطيئة للنظام السياسي الذي تأسس بعد 2003، في ظل تراجع قدرة القوى التقليدية على فرض الإجماع، وتصاعد الصراع بين منطق الدولة ومنطق الفصائل، وبين الضغوط الأمريكية ومحاولات إيران الحفاظ على نفوذها داخل بغداد.







