حرية
تحولت تلة علي الطاهر في جنوب لبنان إلى واحدة من أبرز العقد العسكرية والسياسية في المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، بعدما تجاوزت أهميتها حدود السيطرة على موقع جغرافي لتصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بشكل الترتيبات الأمنية جنوب نهر الليطاني ومستقبل الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
وبحسب المصادر السياسية والعسكرية اللبنانية الواردة في النص، فإن إسرائيل تتجه إلى تثبيت سيطرتها على التلة قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، باعتبارها ورقة يمكن توظيفها سياسياً وميدانياً في أي مفاوضات لاحقة، في وقت تحاول فيه طهران إدارة ملف مقاتلي الحرس الثوري و«حزب الله» الموجودين في المنطقة.
وتكتسب التلة أهمية استراتيجية بسبب موقعها المرتفع شمال نهر الليطاني، إذ تشرف على مناطق واسعة من جنوب شرق لبنان، بينها محيط النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومنطقة قلعة الشقيف. ولهذا السبب وصفها خبراء عسكريون بأنها نقطة حاسمة في الصراع على الأرض.
السيطرة.. روايتان متناقضتان
المفارقة أن مسألة السيطرة على التلة نفسها لا تزال موضع خلاف. فقد أعلنت إسرائيل في يونيو أنها سيطرت عليها بالكامل، بينما نفى «حزب الله» ذلك بشكل قاطع وأكد بقاء مقاتليه في المنطقة.
وفي يوليو، ظهرت مؤشرات ميدانية جديدة، بينها رفع العلم الإسرائيلي على التلة، فيما تحدثت مصادر محلية عن استمرار وجود منشآت وأنفاق تابعة لـ«حزب الله» في المنطقة، من دون تأكيد مستقل على طبيعة السيطرة الكاملة عليها.
كما أعلنت إسرائيل لاحقاً استهداف عناصر من «حزب الله» قرب مداخل أنفاق في مرتفعات علي الطاهر، مؤكدة استمرار عملياتها في المنطقة ومنع خروج عناصر من الشبكة تحت الأرض.
لماذا تتمسك إسرائيل بالتلة؟
المسألة لا تتعلق بالارتفاع الجغرافي وحده. فامتلاك التلة يمنح القوات المسيطرة قدرة أفضل على المراقبة والإشراف الناري على مساحات واسعة من الجنوب، كما يتيح مراقبة طرق الحركة بين مناطق النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان.
ولهذا فإن التلة أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمسألة المنطقة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى إبقائها في جنوب لبنان، في مقابل المساعي اللبنانية والدولية لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية واستكمال انتشار الجيش اللبناني.
وتشير تقارير لبنانية إلى أن إسرائيل واصلت استهداف المنطقة حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت اعتبر فيه الجيش اللبناني أن استمرار العمليات الإسرائيلية يعرقل تنفيذ الترتيبات الخاصة بانتشاره في الجنوب.
التفاوض تحت ضغط الميدان
المعطيات الواردة في النص تعكس معادلة شديدة التعقيد: إيران تريد إدارة التصعيد، وإسرائيل تريد فرض وقائع ميدانية، ولبنان يحاول استعادة القرار الأمني في الجنوب.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، إذا تأكد، يجعل تلة علي الطاهر أكثر من مجرد موقع مرتبط بالصراع الإسرائيلي ـ اللبناني، ويحولها إلى نقطة تماس غير مباشرة بين إسرائيل وإيران.
كما أن استمرار الغموض حول وضع الأنفاق والمقاتلين في المنطقة يمنح إسرائيل ذريعة للاستمرار في العمليات العسكرية، بينما يرى «حزب الله» أن أي انسحاب أو تنازل عن مواقع استراتيجية كهذه يمكن أن ينعكس على موقعه التفاوضي وقواعد الاشتباك المستقبلية.
«الناخب الأساسي».. عندما تتحول التلة إلى ورقة انتخابية
أما وصف التلة بأنها «الناخب الأساسي» في الانتخابات المقبلة، فهو قراءة سياسية أكثر منه حقيقة يمكن الجزم بها. لكن من الواضح أن الإنجاز العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان يمكن أن يتحول إلى ورقة داخلية يستخدمها نتنياهو وحلفاؤه للقول إن الحكومة نجحت في فرض واقع أمني جديد ومنع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته قرب الحدود.
وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال أو العمليات العسكرية قد يتحول إلى عبء سياسي إذا فشلت إسرائيل في تحويل السيطرة الميدانية إلى تسوية مستقرة.
وهنا تكمن أهمية علي الطاهر: من يسيطر على التلة لا يملك بالضرورة مفتاح الحرب، لكنه يملك ورقة مؤثرة في رسم شكل التسوية المقبلة.
والتصعيد الأخير يؤكد أن الملف لم يُحسم؛ ففي منتصف أغسطس شهد جنوب لبنان أكثر الهجمات دموية منذ هدنة يونيو، بعدما أعلنت إسرائيل أن ضرباتها جاءت رداً على هجوم لـ«حزب الله» انطلق من منطقة علي الطاهر، ما يؤكد استمرار تحول التلة إلى نقطة مركزية في معادلة الردع والتفاوض.







