بيل براودر
في نهاية الأسبوع الماضي، ضربت موجة جديدة من الطائرات المسيرة الأوكرانية قلب الاقتصاد الحربي الروسي، وكانت أهدافها مصافي نفط ومستودعات فحم ومرافق لوجستية عسكرية وغيرها من المواقع الحساسة.
حتى اللحظة، كانت الغالبية العظمى من الطائرات المسيرة التي أرسلتها إلى عمق الأراضي الروسية محلية الصنع. لكن هذه المرة، اختلف الوضع. إذ كان بينها، مسيرات صنعت في بريطانيا. ووفقاً لصحيفة “صنداي تايمز”، تضمنت الطائرات مسيرة “نيان” (Nyan) الهجومية التي تعمل بمحرك نفاث، وهي من إنتاج شركة “كالين-لينز” Callen-Lenz، إحدى الشركات التابعة لمجموعة “بي إيه إي سيستمز” BAE Systems، وقد استخدمت لضرب مصافي النفط في فولغوغراد وياروسلافل، كما استخدمت طائرة مسيرة ثانية بريطانية الصنع، لكن اسم الشركة التي تصنعها حجب لأسباب أمنية.
بالأمس، علقت السفارة الروسية في لندن على ذلك مهددة بريطانيا بـ”عواقب وخيمة” في حال زودت أوكرانيا بأسلحة هجومية. وفي غضون دقائق، وصل إلي سيل من الرسائل الهاتفية من كثيرين يطلبون رأيي في الموضوع.
وجوابي بسيط، ليست هذه سوى تهديدات روسية معتادة. يشعر الكرملين بأنه مضطر إلى الإدلاء بتصريح ما، فيقوم بذلك، ولن تترتب على ذلك عواقب أخطر من تلك التي نعيشها بالفعل.
سبق لنا أن مررنا بمواقف مماثلة مرات عديدة، منذ نشوب هذه الحرب، تلقينا تهديدات من بوتين بسبب كل سلاح أرسلناه. في البداية كانت الدبابات، ثم طائرات “أف-16″، ثم صواريخ “ستورم شادو”، وفي كل مرة كان يرسم خطاً أحمر، وفي كل مرة كنا نتجاوزه. وفي كل مرة، لم يتغير أي شيء بصورة ملموسة، فهو يرسم خطوطه الحمراء بحبر زائل.
هذا لا يعني أن روسيا تركتنا وشأننا، فهي تهاجمنا بالفعل منذ سنوات، إذ أقدم عملاء روس على جر مراسي عبر الكابلات البحرية في بحر البلطيق. كما زرعوا أجهزة حارقة في مستودع لشركة الشحن “دي إتش إل” (DHL) في برمنغهام. وفي الأسبوعين الماضيين فقط، عثر على مسيرة بجانب طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ، واشتعل حريق في مصنع ذخيرة قرب روما يصنع قذائف مدفعية لصالح أوكرانيا. لم توجه تهمة إلى أحد بإشعال الحريق، لكن النمط واضح. هذه ليست احتجاجات دبلوماسية، بل أعمال حربية على الأراضي الأوروبية.
لكن الفرق هو أن بوتين أصبح الآن أضعف من أي وقت مضى، إذ أفادت “بلومبرغ” بأن عدداً من الأثرياء الروس، من بينهم أشخاص مقربون من بوتين، قد نقلوا مليارات الدولارات إلى الخارج خلال العام الماضي بعدما تزايدت مخاوفهم في شأن اقتصاد البلاد وموازنة الحكومة. وبحلول نهاية مايو (أيار) الماضي، بلغ العجز الفيدرالي 6 تريليونات روبل (أي 83 مليار دولار). ويمثل ذلك 2.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، أي ضعف مستوى العام الماضي، وهو ما يفوق بالفعل مبلغ 3.8 تريليون روبل الذي كان مخصصاً لتغطية عام 2026 بأكمله. يمر الاقتصاد الروسي بأزمة حقيقية، وقد منحت وزارة المالية الشهر الماضي صلاحيات طارئة لزيادة إنفاقها والاقتراض إلى حد يتجاوز سقف الدين القانوني، لأنها، على حد تعبيرها، بحاجة إلى الاستجابة لتدهور الأوضاع “ليس كل شهر أو كل ربع سنة، بل كل يوم”.
وبالفعل، أقيل هذا الأسبوع كبير الخبراء الاقتصاديين في ثاني أكبر بنك في روسيا عقب إدلائه بسلسلة من التعليقات التي انتقد فيها حالة الاقتصاد، وحذر خلالها من أن موسكو لا يمكنها الفوز في حرب اقتصادية مطولة مع أوكرانيا. وقال أندريه كليباتش، الذي شغل هذا المنصب في بنك “فيب” VEB الخاضع لسيطرة الدولة منذ عام 2014، إن روسيا “تتخلف” اقتصادياً عن الصين والولايات المتحدة، و”في بعض النواحي، عن أوكرانيا”.
إن بوتين بحاجة إلى حرب، فهي ضرورية من أجل تحويل غضب شعبه بعيداً منه وتوجيهه نحو عدو مختلق في الخارج. وعلى حد تعبيره، هذه ليست مجرد حرب مع أوكرانيا. بل هي حرب مع حلف “الناتو”، وعلينا أن نأخذ كلامه على محمل الجد.
لذلك، شعرت بالارتياح عندما سمعت تأكيد رئيس الوزراء بيرنهام بأن الدعم البريطاني لأوكرانيا لن يتزعزع. آمل أن يصدق في كلامه، لقد رأيت عدداً من القادة يتعهدون بالتضامن مع أوكرانيا في العلن، بينما ينتابهم الذعر من تهديدات بوتين خلف الكواليس. ولهذا الذعر الخفي ثمن، فقد أدى إلى إبطاء إمدادات الأسلحة في كل مرحلة من مراحل هذه الحرب. كما أعطى بوتين فرصة المبادرة، علاوة على ذلك، أتت إطالة أمد القتال على حساب أرواح مواطنين أوكرانيين كان من الممكن إنقاذهم لو اتخذت قرارات أسرع وأشجع.
لا يخدعن أحد نفسه في شأن الجهة المعنية بهذه الحرب، هذه ليست حرب أوكرانيا وحدها، بل هي حربنا نحن. وإذا سمحنا لبوتين بالفوز في أوكرانيا، فلن يتوقف عند حدودها. سيكون هدفه التالي إما دول البلطيق أو بولندا، وعندئذ سيوضع الجنود البريطانيون في دائرة الخطر عندما يضطرون إلى خوض معارك مباشرة ضد روسيا، عملاً بالتزاماتنا بموجب المعاهدة. في الوقت الحالي، الأوكرانيون هم من يقاتلون ويموتون، ولا تسيل دماؤهم دفاعاً عن ديارهم فحسب، بل دفاعاً عن ديارنا أيضاً، وهذا أرخص دفاع يمكن أن تحصل عليه بريطانيا على الإطلاق.
إن كان لهذه التهديدات من معنى، فهو أنها تشكل سبباً لمضاعفة جهودنا، لا تقليصها. علينا أن نزود أوكرانيا بكل ما تحتاج إليه، وهذا يعني أسلحة هجومية تضرب بها الآلة العسكرية التي يستخدمها بوتين لشن هذه الحرب. كما يعني دفاعات جوية تحمي المدنيين الأوكرانيين من الرعب اليومي الذي تسببه الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية، وتحمي محطات توليد الكهرباء ومحطات المياه والمستشفيات التي يستهدفها بوتين عمداً. فأنصاف الحلول لا تهدئ بوتين، بل تزيد من جرأته.
دعوني أقولها بكل وضوح، مع كل شكوى يطلقها، يخبرنا بوتين بأن دعمنا يؤتي ثماره. وكلما ازدادت شكواه، وجب علينا أن نضاعف جهودنا.





