بقلم: زيد الشمري
تعثر حسم اسم رئيس مجلس الوزراء من قبل قوى الإطار التنسيقي يوم الاثنين الماضي، ومن المرجح عقد اجتماع اليوم الاربعاء، لحسم اسم المكلف، التعثر لم يكن مفاجئاً، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتشابك المصالح وتضارب الحسابات، داخل البيت السياسي الواحد، فالمشهد اليوم لم يعد يدار بعقلية الكتلة الأكبر فقط، بل بمنطق التوازنات المركبة، التي تفرضها مراكز الثقل النيابي والسياسي، والتي باتت واضحة في شخصيات تمتلك تأثيراً فعلياً على مسار القرار، مثل محمد شياع السوداني، ومحمد الحلبوسي، وعمار الحكيم، وقيس الخزعلي، وبافل طالباني، مع حفظ الالقاب.
هذه الأسماء لم تعد مجرد أطراف مشاركة، بل تحولت إلى مفاتيح حقيقية لأي تسوية سياسية قادمة، خصوصاً أنها كانت جزءاً من تمرير استحقاقات مفصلية كاختيار رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية، وهذا يعني أن أي مرشح لرئاسة الوزراء لا يمكن أن يمر دون تقاطع مصالح أو توافق ضمني بين هذه القوى، حتى وإن اختلفت ظاهرياً.
لكن الأزمة الأعمق لا تكمن في الأسماء بقدر ما تكمن في “شروط القبول”. فالعقدة الحقيقية التي تعرقل الحسم اليوم تتمثل في ما يمكن تسميته بـ”ثلاثية القبول” المفروضة على هذا المنصب حصراً، وهي معايير لم تعد خطوه طارئه على المشهد السياسي، بل ضرورة لنجاح أي حكومة قادمة.
أول هذه المعايير هو القبول الوطني، وهو الأهم والأكثر تعقيداً، إذ يتطلب شخصية قادرة على طمأنة الداخل العراقي بمختلف مكوناته، بعيداً عن الاستقطاب الحاد أو الاصطفافات الضيقة. فالعراق اليوم بحاجة إلى رئيس وزراء يمثل نقطة توازن لا نقطة صراع.
أما القبول الإقليمي، فهو لا يقل أهمية، في ظل موقع العراق الحساس ضمن شبكة العلاقات الإقليمية، بمعنى أي مرشح لا يحظى بحد أدنى من التفاهم مع دول الجوار، سيجد نفسه محاصراً سياسياً، ما ينعكس مباشرة على استقرار حكومته.
في حين يأتي القبول الدولي كعامل ثالث مكمل، خصوصاً في ظل ارتباط العراق بملفات اقتصادية وأمنية، وهذا مايحمل قوى الاطار المسؤولية الكاملة وحدهم لمستقبل العراق والعملية السياسية، هذا القبول لا يعني التبعية، بل القدرة على إدارة العلاقات الخارجية بواقعية تحفظ سيادة العراق وتؤمن مصالحه.
أمام هذه المعادلة، تبدو بعض قوى الإطار وكأنها ما زالت تتعامل مع الاستحقاق بمنطق المكابرة السياسية، متجاهلة أن المرحلة لم تعد تحتمل فرض مرشح يفتقد أحد أضلاع هذه الثلاثية، فالتجارب السابقة أثبتت أن أي خلل في هذا التوازن سينعكس سريعاً على أداء الحكومة واستقرارها.
الحل، إذن، لا يكمن في كسر الإرادات بقدر ما يكمن في إنتاج مرشح يمتلك “الشفرة” الكاملة لهذه الثلاثية، مرشح لا يستفز منه الداخل، ولا يقلق الجوار، ولا يرفض دولياً، شخصية تمتلك مرونة سياسية، وخبرة إدارية، وقدرة على بناء التفاهمات بدلاً من إدارتها بالأزمات.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تملك قوى الاطار التنسيقي الجرأة لتقديم هكذا مرشح؟ أم أن حسابات اللحظة ستبقي العراق في دائرة التعثر؟
في السياسة العراقية، غالباً ما تأتي الحلول متأخرة…لكن الثابت أن أي تسوية لا تمر عبر “ثلاثية القبول” ستبقى ناقصة، وقابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.







