حرية
يتجه مستقبل القوة الجوية نحو تحوّل عميق تقوده المنصات ذاتية التشغيل، في ظل مؤشرات متزايدة على أن التفوق العسكري لم يعد حكراً على الجيوش التي تمتلك أساطيل تقليدية ضخمة. فبرغم احتفاظ الولايات المتحدة بأكبر قوة جوية في العالم، إلا أن معادلة الهيمنة بدأت تتغير مع صعود الطائرات المسيّرة كأداة حاسمة في الحروب الحديثة.
هذا التحول لم يعد نظرياً، بل فرضته ساحات القتال، حيث أثبتت الطائرات المسيّرة – سواء في مهام الاستطلاع أو الهجوم – قدرتها على إحداث تأثير ميداني كبير بكلفة منخفضة وسرعة انتشار عالية مقارنة بالأنظمة التقليدية.
وفي هذا السياق، أشار الرئيس التنفيذي لشركة “Merlin Labs”، مات جورج، في تصريحات لشبكة CNBC، إلى أن النزاعات الأخيرة، لا سيما في إيران وأوكرانيا، كشفت بوضوح تصاعد دور المنصات الجوية الذاتية، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، في ترجيح كفة المعارك.
وأوضح أن هذه الأنظمة توفر ميزة استراتيجية تتمثل في الكلفة المنخفضة وسهولة الاستخدام، ما يدفع الجيوش الغربية إلى إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية. وأضاف أن الولايات المتحدة “لا تعاني من تأخر حاد، لكنها لم تعد تمتلك التفوق الحاسم”، الأمر الذي يستدعي تسريع وتيرة الاستثمار في هذا المجال.
الحرب في أوكرانيا شكلت نموذجاً بارزاً لهذا التحول، إذ اعتمدت كييف على طائرات “بيرقدار TB2”، في حين استخدمت روسيا طائرات “شاهد-136” و”لانسيت”، ما أظهر بوضوح فعالية هذه الأنظمة في تغيير قواعد الاشتباك.
في المقابل، تواجه الطائرات المأهولة والأنظمة العسكرية التقليدية تحديات متزايدة، خصوصاً مع قدرة الخصوم على استخدام وسائل منخفضة الكلفة، إلى جانب تقنيات الحرب الإلكترونية، لتهديد أهداف عالية القيمة بكفاءة ملحوظة.
اقتصادياً، تبرز فجوة الكلفة كأحد أبرز عناصر هذا التحول؛ إذ يشكل استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لاعتراض طائرات مسيّرة رخيصة معضلة استراتيجية. ووفق تقديرات مراكز بحثية، قد تصل كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد، مثل صواريخ “PAC-3” ضمن منظومة “باتريوت”، إلى نحو 4 ملايين دولار، وهو رقم يفوق بكثير كلفة الطائرات المسيّرة التي يتم إسقاطها.
وقد برزت هذه الإشكالية مجدداً خلال المواجهات الأخيرة مع إيران، مع ورود تقارير عن استنزاف جزئي في مخزونات الصواريخ الاعتراضية الأميركية نتيجة كثافة الهجمات باستخدام المسيّرات.
ويرى خبراء عسكريون أن بعض الدول، مثل روسيا وإيران، باتت تعتمد على تكتيك “الإغراق العددي”، من خلال إطلاق موجات متتالية من الطائرات المسيّرة بهدف إنهاك الدفاعات الجوية، بدلاً من تحقيق إصابات دقيقة لكل هدف.
في المقابل، يشير جورج إلى أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بدأت بالفعل إعادة توجيه استثماراتها نحو هذه التقنيات، حيث خصصت ميزانيات ضخمة لتطوير المنصات الذاتية والطائرات المسيّرة، وسط تزايد ملحوظ في تمويل البرامج المرتبطة بها.
ورغم هذا الإنفاق، يبقى التحدي الأساسي متمثلاً في سرعة تطوير هذه القدرات ونشرها ميدانياً، في ظل تسارع وتيرة التغير في طبيعة الحروب، ما يفرض على القوات الجوية التكيف خلال فترات زمنية قصيرة.
في المحصلة، تعكس هذه التطورات تحولاً جذرياً في مفهوم التفوق الجوي، الذي لم يعد يُقاس فقط بحجم الأساطيل أو مستوى التكنولوجيا المتقدمة، بل بمدى المرونة، والكفاءة الاقتصادية، والقدرة على التكيف مع واقع الحروب الجديدة.







