د. هبة السامرائي
في لحظة ما، يختلط على الإنسان الفرق بين أن (يتحاور) وأن (يتصارع بالكلمات).. فيظن أن كل اختلاف يحتاج إلى صِدام، وأن كل رأي مخالف يستحق الرد الحاد، وأن الصوت الأعلى هو دليل القوة…
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيراً هي أن هناك فرقاً عميقاً بين النقاش والجدال… فرقاً بين من يبحث عن الحقيقة، ومن يبحث عن الانتصار.
النقاش هو مساحة نور .. يدخل فيها الإنسان فكر الآخر دون أن يُطفئ فكره هو ..
هو مساحة يتقدم فيها العقل خطوة إلى الأمام كلما تراجع فيها التعصب خطوة إلى الخلف…
في النقاش، لا يكون الهدف أن (أنتصر)، بل أن أفهم، أن أرى الزاوية التي لم أرها، وأن أختبر صحة ما أؤمن به دون خوف من أن يتغير.
أما الجدال، فهو مساحة ضيقة… يدخلها الإنسان محمّلاً برغبة خفية في التغلب، لا في التعلّم. فيه يتحول الكلام إلى سلاح، وتتحول الفكرة إلى هوية يجب الدفاع عنها حتى لو كانت غير صحيحة…
وفيه أيضاً، يصبح الاستماع ضعفاً، والاعتراف بالخطأ هزيمة، والصوت العالي بديلاً عن الدليل.
ولذلك كان الفرق بينهما فرق نية قبل أن يكون فرق أسلوب.
النقاش الصحيح لا يقوم إلا على شروط واضحة، أهمها ..
أن يكون الهدف هو الوصول إلى الحقيقة لا فرض الرأي،
وأن يكون الاحترام حاضراً حتى عند الاختلاف، وأن يُمنح الطرف الآخر حقه في الفهم دون مقاطعة أو تشويه،
وأن يكون العقل هو المرجع لا الانفعال.
وإذا غابت هذه الشروط، تحول النقاش إلى جدال، والجدال إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة لا رابح فيها.
لكن متى أدخل في النقاش؟
أدخل فيه حين أشعر أن هناك إضافة حقيقية يمكن أن تنضج فكري أو تصحح فهمي أو توسّع رؤيتي. حين يكون الطرف الآخر مستعداً للاستماع كما هو مستعد للكلام. حين أشعر أن الحوار يمكن أن يبني شيئاً داخلياً لا أن يهدم علاقة أو يستهلك طاقة بلا فائدة.
ومتى أنتهي منه؟
أنتهي حين يتحول إلى تكرار بلا معنى، حين يبدأ الصوت في الارتفاع بدل الفكرة، فقد تظن أنك تربح حين ترفع صوتك لكنك في الحقيقة قد تخسر نفسك بالكامل دون أن تنتبه.
انتهي منه حين أشعر أن الهدف لم يعد الحقيقة بل الغلبة. عندها يكون الصمت أرقى من الرد، والانسحاب وعي وليس ضعفاً.
أما الجدال، فله موانع واضحة يجب أن تُفهم قبل الدخول فيه ..
يُمنع حين يكون الهدف منه كسر الآخر لا فهمه، ويُمنع حين يطغى فيه الغضب على العقل، ويُمنع حين يصبح وسيلة لإثبات الذات لا لاكتشاف الحقيقة، ويُمنع حين لا يكون الطرف الآخر مستعداً إلا لسماع صوته هو…
فالجدال في هذه الحالات لا يصنع فكراً، بل يصنع توتراً، ولا يفتح باب فهم، بل يغلق أبواباً كانت مفتوحة…
وإن أردت أن تنهي جدالاً قبل أن ينهكك، فافعل ذلك بوعي لا بانفعال …
لا ترد و انت على استفزاز، لا تُكمل دائرة لا تؤدي إلى نتيجة، لا تحاول أن تُقنع من قرر مسبقاً ألا يقتنع، واخرج من الحوار كما يخرج إنسان عاقل من باب لا فائدة فيه و بهدوء.
في النهاية، ليس كل اختلاف يستحق معركة، وليس كل رأي يحتاج إلى رد.
بعض النقاشات ترفعك… وبعض الجدالات تستهلكك… وبينهما يكمن الفرق بين من يستخدم عقله ليبني، ومن يستخدمه ليُرهق نفسه في معارك لا تنتهي…
والأذكى دائماً ليس من يربح كل جدال…
بل من يعرف متى لا يدخل أصلاً …







