حرية
أثار كتاب صادر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يقضي بمنع التدريسيين العاملين في الجامعات الحكومية ومركز الوزارة من التدريس أو العمل بصفة محاضرين ومستشارين في الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، موجة من الاعتراضات في الأوساط الأكاديمية، الأمر الذي يثير مخاوف من حدوث إرباك في الجداول الدراسية واستقرار العملية التعليمية.
وبحسب الكتاب الصادر عن دائرة البحث والتطوير في الوزارة، والموجه إلى رؤساء الجامعات كافة، تقرر عدم إشراك التدريسيين في الجامعات الحكومية ومركز الوزارة بالعمل بصفة محاضرين أو مستشارين في الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية، لإتاحة الفرصة أمام حملة الشهادات العليا غير المعينين للعمل في تلك المؤسسات، والمساهمة في سد النقص الحاصل في ملاكاتها التدريسية.
وتضمن الكتاب أيضاً إلغاء التعميم السابق الصادر عن دائرة البحث والتطوير بالعدد (ب ت 3/3410) في 2 أيار 2023، والذي كان يسمح للتدريسيين في الجامعات ومركز الوزارة بإلقاء المحاضرات في الجامعات والكليات الأهلية.
وفي مقابل توجه الوزارة إلى إتاحة فرص عمل لحملة الشهادات العليا غير المعينين، يرى عدد من التدريسيين أن صدور القرار خلال العام الدراسي قد يترك تداعيات مباشرة على المؤسسات التعليمية والطلبة، خصوصاً أن العديد من الكليات الأهلية رتبت جداولها الدراسية واستعانت بتدريسيين من الجامعات الحكومية قبل صدور التوجيه الجديد.
وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني طارق المعموري، في حديث لـ(حرية)، إن القرار يعنيه بصورة مباشرة، كونه يعمل في التدريس بالكليات الحكومية والأهلية، مشيراً إلى أن الوزارة كان بإمكانها اعتماد مرحلة انتقالية قبل تطبيقه.
ويقترح المعموري أن تلزم الوزارة الكليات الأهلية بالإبقاء على السنة الحالية دون تغيير ، مع إشراك تدريسيين شباب من حملة الشهادات العليا في المحاضرات إلى جانبهم، حتى نهاية العام الدراسي، بما يتيح لهؤلاء اكتساب الخبرة في إدارة المحاضرات والمناهج وطبيعة المجتمع الأكاديمي، وتطبيق القرار في السنة الدراسية المقبلة.
ويضيف أن القرارات المفاجئة من هذا النوع قد تؤثر في العملية التعليمية بصورة عامة، موضحاً أن التدريسي العامل في الجامعة الحكومية يمتلك خبرة متراكمة ومنهجية خاصة في إدارة المادة الدراسية، في حين أن التدريسي حديث الحصول على الشهادة، رغم ما يمتلكه من طاقات، قد يحتاج إلى وقت لاكتساب الخبرة اللازمة.
ويبين أن لكل تدريسي أسلوباً خاصاً في إدارة المحاضرة وتقديم المادة العلمية وإيصال المعلومات إلى الطلبة، وبالتالي فإن استبداله بآخر خلال العام الدراسي قد يواجه صعوبات تتعلق بالمنهاج وآليات التدريس وطريقة إيصال المعلومة.
ويؤكد المعموري أن الأنسب كان إعلان هذا التوجه مع بداية العام الدراسي، ومنح الجامعات والكليات الأهلية والحكومية مهلة كافية لتنظيم أوضاعها وإبلاغ التدريسيين مسبقاً بعدم إدراج أسمائهم ضمن جداول المحاضرات أو الاستعانة بهم لإكمال النصاب التدريسي في العام المقبل، باعتبار ذلك خطوة تمهيدية لمعالجة الملف بصورة منظمة.
من جانبه، يعترض الدكتور جعفر الجابري على توقيت صدور الكتاب، مشيراً إلى أنه جاء بعد نحو شهرين من بدء العام الدراسي، وفي وقت كان فيه عدد من التدريسيين قد استحصلوا على طلب حاجة من كليات أهلية وسلموها إلى جامعاتهم الحكومية للحصول على الموافقات اللازمة لإلقاء المحاضرات في تلك الكليات.
ويقول الجابري إن صدور قرارات من هذا النوع أثناء العام الدراسي يؤدي إلى إرباك العملية التعليمية، مستشهداً بما قد يتعرض له الطالب عندما يدرس مادة لدى أستاذ معين لمدة شهر ونصف، ثم يفاجأ باختفائه واستبداله بتدريسي آخر قد يعيد شرح المادة من البداية أو يعتمد أسلوباً مختلفاً في التدريس.
ويشدد على أن الاعتراض لا يتعلق بمضمون الكتاب بقدر ارتباطه بتاريخ صدوره، مبيناً أن التوقيت خلق حالة من الفوضى والمشكلات داخل الجامعات، ولا سيما أن التدريسيين كانوا قد رتبوا أوضاعهم المهنية على أساس التدريس في الكليات الأهلية لإكمال النصاب التدريسي.
ويربط الجابري تداعيات القرار بملف النصاب التدريسي والمخصصات الجامعية، مشيراً إلى أن الترويج في بداية العام الدراسي لقطع المخصصات الجامعية عن التدريسيين الذين لا يكملون نصابهم في الجامعات الحكومية دفع عدداً منهم إلى التوجه نحو الكليات الأهلية لإكمال النصاب المطلوب.
ويؤكد ضرورة معالجة مشكلة النصاب التدريسي في الجامعات الحكومية، خصوصاً أن عدداً من التدريسيين نظموا التزاماتهم المهنية على أساس إكمال ساعاتهم التدريسية في الجامعات والكليات الأهلية.
كما يعرب عن خشيته من أن يؤدي عدم وضوح آليات معالجة هذا الملف إلى فتح المجال أمام المحسوبية في توزيع الأنصبة التدريسية، موضحاً أن التدريسي الذي يتمكن من إكمال نصابه سيحصل على راتبه بالكامل، في حين قد يتعرض من لا يتمكن من ذلك إلى استقطاع يصل إلى نصف الراتب، بحسب ما أشار إليه.
ويضع القرار وزارة التعليم العالي أمام ملف تتداخل فيه عدة اعتبارات، أبرزها توفير فرص عمل لحملة الشهادات العليا غير المعينين، وتنظيم عمل التدريسيين بين المؤسسات الحكومية والأهلية، إلى جانب ضمان استقرار المناهج والجداول الدراسية وعدم تحميل الطلبة تبعات التغييرات المفاجئة.
وبينما يستهدف التوجيه فتح المجال أمام طاقات أكاديمية جديدة وسد النقص في الملاكات التدريسية للمؤسسات الأهلية، تبرز مطالب أكاديمية بضرورة مراعاة توقيت التنفيذ، ووضع آليات انتقالية تضمن عدم حدوث انقطاع في المحاضرات أو تغيير مفاجئ في التدريسيين خلال العام الدراسي.






