حرية | بغداد
في مشهد سياسي عراقي يتسم بالتعقيد وتداخل المصالح، تبرز بين الحين والآخر شخصيات تحاول إعادة تعريف دور الدولة والخروج بها من دائرة الأزمات المتكررة إلى فضاء الاستقرار المؤسسي ومن بين هذه الأسماء، يبرز خالد الأسدي بوصفه رئيس تحالف العمق الوطني ونائب الأمين العام لـحزب الدعوة الإسلامية تنظيم العراق ، حاملاً رؤية تقوم على بناء “دولة فعّالة” تتجاوز منطق المحاصصة وتستند إلى الكفاءة والإدارة الحديثة ومع تصاعد الحديث عن مرشحي التسوية داخل الإطار التنسيقي، يُطرح اسم الأسدي كأحد الخيارات القابلة للنقاش في مرحلة تتطلب توازنات دقيقة وخطاباً أقل تصادمية.
ينطلق مشروع خالد الأسدي من فكرة مركزية مفادها أن أزمة العراق ليست في نقص الموارد، بل في سوء إدارتها لذلك، طرح في برامجه الانتخابية مفهوم “الدولة الوظيفية” التي تعمل وفق معايير الأداء والكفاءة، لا وفق اعتبارات الانتماء السياسي أو التوازنات الضيقة.
هذا التوجه يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، عبر تحسين جودة الخدمات العامة وفرض الانضباط داخل الجهاز الحكومي.
في البعد الإداري، يركز الأسدي على معالجة الترهل الوظيفي الذي تعاني منه مؤسسات الدولة، من خلال إعادة هيكلة القطاع العام وتقليل الازدواجية في الوظائف، مع اعتماد نظم حديثة لإدارة الموارد البشرية. كما يدعو إلى تفعيل مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب”، وربط الترقيات والتكليفات بمؤشرات أداء واضحة، بما يعزز من كفاءة الجهاز التنفيذي.
اقتصادياً، تتجه رؤية الأسدي نحو تنويع مصادر الدخل الوطني، وتقليل الاعتماد شبه الكلي على النفط ويؤكد في هذا السياق على أهمية تحفيز القطاع الخاص، وخلق بيئة استثمارية جاذبة، خاصة في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات كما يطرح فكرة الشراكة المتوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث تبقى الدولة جهة تنظيم ورقابة، لا جهة تشغيل مباشر، وهو ما من شأنه تقليل العبء على الموازنة العامة وتحريك عجلة الاقتصاد.
في الملف الأمني، يعكس طرحه فهماً للتحولات الحديثة في طبيعة الحروب، حيث يدعو إلى بناء مؤسسة أمنية احترافية تعتمد على التكنولوجيا والقدرات الاستخبارية، بدلاً من التركيز على الأعداد الكبيرة. هذا التوجه ينسجم مع التحديات الراهنة التي باتت تتطلب قدرات نوعية في مواجهة التهديدات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة والحروب السيبرانية.
سياسياً، يتبنى الأسدي خطاباً يميل إلى التهدئة وإدارة الخلافات عبر الحوار، وهو ما يمنحه قابلية للعب دور توافقي في بيئة سياسية منقسمة هذه السمة تحديداً هي التي دفعت بعض الأوساط إلى طرح اسمه كمرشح تسوية داخل الإطار التنسيقي، خاصة في المراحل التي تشهد انسداداً سياسياً أو صعوبة في الاتفاق على شخصية ذات قبول واسع.
ومع ذلك، فإن تحوّل هذا الطرح إلى واقع عملي يبقى مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها قدرته على بناء شبكة دعم داخل القوى السياسية المؤثرة، ومدى قبوله لدى الأطراف الإقليمية والدولية، فضلاً عن قدرته على تحويل برنامجه النظري إلى خطة تنفيذية قابلة للتطبيق ضمن بيئة بيروقراطية معقدة.
في المحصلة، يمثل خالد الأسدي محاولة لإعادة صياغة مفهوم إدارة الدولة في العراق، من خلال التركيز على الكفاءة والحوكمة الرشيدة وبين طموح المشروع وتعقيدات الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً هل يمكن لهذا الطرح أن يتحول من فكرة إصلاحية إلى مشروع حكم فعلي في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى توازن دقيق بين السياسة والإدارة؟







