حرية
في مفارقة لافتة، فرضت موجات الحر القياسية في أوروبا واقعاً جديداً على العلاقات التجارية مع الصين، إذ ارتفع الطلب الأوروبي على أجهزة التكييف الصينية بشكل غير مسبوق، رغم استمرار الخلافات بين بروكسل وبكين بشأن فائض الإنتاج والرسوم الجمركية.
وتقول الخبيرة الاقتصادية الإسبانية غارسيا هيريرو إن أوروبا تجد نفسها، مع كل أزمة، أكثر اعتماداً على المنتجات الصينية، مشيرة إلى أن بكين استغلت موجة الحر لإبراز تفوقها في هذا القطاع، حتى أن حسابات مرتبطة بالإعلام الرسمي الصيني سخرت من الأزمة الأوروبية، متسائلة: “إذا توقفت الصين عن بيع أجهزة التكييف، فهل سيواصل الأوروبيون انتقاد فائض الإنتاج الصيني؟”.
ويأتي ذلك في وقت يتهم فيه الاتحاد الأوروبي الصين بإغراق الأسواق بمنتجات منخفضة الكلفة، بينما ترفض بكين هذه الاتهامات وتؤكد أنها ليست سبب الاختلالات الاقتصادية الأوروبية.
وخلال محادثات في بروكسل، شدد مفوض التجارة الأوروبي ماروش سيفكوفيتش على ضرورة تقليص العجز التجاري مع الصين، الذي يبلغ نحو 412 مليار دولار، فيما اتفق الجانبان على مواصلة الحوار لمعالجة قضايا النفاذ إلى الأسواق.
وفي المقابل، فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً ثابتة بقيمة 3 يوروهات على الطرود منخفضة القيمة القادمة من منصات صينية مثل Temu وAliExpress، في إطار تشديد الإجراءات التجارية.
شركات صينية تستفيد من الطلب الأوروبي
نجحت شركات صينية، أبرزها ميديا (Midea)، في تطوير أجهزة تتلاءم مع طبيعة المباني الأوروبية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التركيب والقيود المفروضة على الأبنية التاريخية.
وأعلنت الشركة أن مبيعاتها في فرنسا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا ارتفعت بأكثر من 70% مقارنة بالعام الماضي، فيما ضاعفت شحناتها من جهاز PortaSplit إلى أوروبا لتصل إلى 200 ألف وحدة خلال العام الحالي.
وأدى الإقبال الكبير إلى نفاد الأجهزة سريعاً من الأسواق، ودفع مطوراً ألمانياً إلى إنشاء موقع إلكتروني لتتبع توفرها لدى المتاجر، بينما تراوحت أسعارها بين 800 و1500 يورو، ووصلت في بعض الأسواق إلى أكثر من 2000 يورو بسبب نقص المعروض.
كما كشفت منصة Joybuy التابعة لشركة JD.com أن مبيعات أجهزة التكييف ارتفعت بنحو 40 ضعفاً مقارنة بالأسبوع الأول من شهر يونيو.
طفرة في قطاع الشحن
وامتدت موجة الطلب إلى شركات الشحن الصينية، حيث أعلنت شركة Yanchao تخصيص “خط ساخن” لتلبية الطلبات المتزايدة على أجهزة التكييف المحمولة.
وقال مدير الشركة إن عدد الاستفسارات تجاوز 1000 طلب خلال أسبوع واحد من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، موضحاً أن حجم الشحنات ارتفع هذا العام بما يتراوح بين 10 و20 ضعفاً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع زيادة ملحوظة أيضاً في الطلب على المراوح المحمولة ومستلزمات التبريد الأخرى.
تكشف هذه التطورات عن مفارقة اقتصادية واضحة؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتماده على الواردات الصينية وتشديد القيود التجارية عليها، فرضت التغيرات المناخية واقعاً مختلفاً جعل المستهلك الأوروبي أكثر اعتماداً على المنتجات الصينية، ولا سيما في قطاع أجهزة التبريد.
كما تؤكد الأزمة أن الصين لا تنافس فقط عبر الأسعار المنخفضة، بل باتت تطور منتجات مصممة خصيصاً لتلبية احتياجات الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح شركاتها أفضلية تنافسية حتى في ظل الرسوم الجمركية.
ومن جهة أخرى، تبرز موجة الحر بوصفها عاملاً اقتصادياً مؤثراً في إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك داخل أوروبا، إذ تحولت أجهزة التكييف من سلعة موسمية محدودة الطلب إلى منتج أساسي، وهو ما قد يدفع الشركات الأوروبية إلى زيادة استثماراتها في هذا القطاع مستقبلاً، سعياً لتقليل الاعتماد على الواردات الصينية.
وبذلك، تبدو المنافسة التجارية بين بروكسل وبكين مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع التحديات المناخية، في وقت يصعب فيه على أوروبا الاستغناء عن المنتجات الصينية في بعض القطاعات الحيوية، رغم سعيها إلى إعادة رسم قواعد العلاقة التجارية مع بكين.







