حرية
في تحرك دبلوماسي يأتي في واحدة من أكثر مراحل التصعيد حساسية في المنطقة، يستعد سلطان عُمان هيثم بن طارق لزيارة المملكة المتحدة في تشرين الأول المقبل، في وقت تواجه فيه مسقط ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة وإيران على خلفية الحرب وأزمة الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست»، فإن السلطان هيثم سيجري زيارة دولة إلى بريطانيا تستمر ثلاثة أيام، بين 20 و22 تشرين الأول، حيث يلتقي الملك تشارلز الثالث وكبار المسؤولين البريطانيين. وأكدت مصادر بريطانية أن الزيارة تأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط التي تواجهها سلطنة عُمان بسبب موقعها الاستراتيجي على الضفة الجنوبية لمضيق هرمز.
وتحظى عُمان بأهمية استثنائية في الأزمة الحالية، نظراً إلى موقعها الجغرافي ودورها التقليدي في الوساطة بين الأطراف المتخاصمة، ولا سيما الولايات المتحدة وإيران. كما دخلت مسقط في اتصالات مع طهران بشأن إعادة حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وتأتي الزيارة البريطانية في أعقاب ضغوط أميركية على مسقط، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُمان على خلفية تحركاتها مع إيران بشأن تنظيم حركة السفن في المضيق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى ضمان عودة الملاحة التجارية ومنع طهران من فرض ترتيبات منفردة على حركة السفن.
وكان وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي قد أكد في وقت سابق أن بلاده لا تدعم فرض رسوم عبور على السفن المارة في مضيق هرمز، موضحاً أن الخدمات التي يمكن تقديمها للسفن تتعلق بالسلامة الملاحية ومنع التلوث والمساعدة في حالات الطوارئ.
وتكتسب التحركات العُمانية أهمية أكبر مع استمرار المواجهة الأميركية الإيرانية، إذ أصبح مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الصراع، ليس فقط بسبب أهميته العسكرية والجغرافية، وإنما لارتباطه المباشر بإمدادات النفط والغاز العالمية.
مسقط تبحث عن مخرج من الأزمة
وتبدو عُمان أمام مهمة دبلوماسية شديدة التعقيد، فهي من جهة تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، ومن جهة أخرى ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، الأمر الذي يجعلها إحدى الدول القليلة القادرة على نقل الرسائل بين أطراف الصراع.
وتشير المعطيات إلى أن زيارة السلطان إلى بريطانيا ستمنح مسقط فرصة لبحث مستقبل الأزمة الإقليمية وملف الملاحة في هرمز والعلاقات مع إيران، فضلاً عن محاولة احتواء تداعيات التصعيد المتزايد.
وفي الوقت نفسه، لا تتوافر حتى الآن معلومات رسمية تؤكد أن السلطان هيثم سيجري زيارة مقررة إلى الولايات المتحدة ضمن الجولة نفسها أو أن مهمة محددة لإنهاء الحرب قد أُعلنت رسمياً، ولذلك يبقى الحديث عن تحرك أميركي لاحق في إطار التكهنات السياسية إلى حين صدور إعلان رسمي.
أهمية التحرك العُماني لا تكمن في الزيارة البريطانية بحد ذاتها، وإنما في الدور الذي تحاول مسقط تثبيته كقناة تفاوض في لحظة تراجعت فيها فرص الحوار المباشر بين واشنطن وطهران.
فإذا نجحت عُمان في التوصل إلى صيغة مقبولة لإعادة الملاحة في مضيق هرمز، فإنها ستكون قد حققت اختراقاً يتجاوز حدود الأزمة العُمانية الإيرانية، ويفتح الباب أمام تهدئة أوسع يمكن أن تشمل الملفات العسكرية والأمنية.
لكن المهمة ليست سهلة؛ فالولايات المتحدة تريد ضمان حرية الملاحة من دون منح إيران قدرة على فرض ترتيبات جديدة على المضيق، بينما تسعى طهران إلى الاحتفاظ بأوراق ضغطها في مواجهة واشنطن.
وبالتالي، تتحرك مسقط بين قوتين متصارعتين، وأي صيغة تتوصل إليها بشأن هرمز ستحتاج إلى موافقة ضمنية أو مباشرة من الطرفين.
أما بريطانيا، فتأتي زيارتها في توقيت بالغ الحساسية، خصوصاً أن لندن معنية بأمن الملاحة والطاقة في المنطقة، فيما يجعل ارتباطها الوثيق بواشنطن منها طرفاً مهماً في أي ترتيبات دولية تخص مضيق هرمز.
وعليه، فإن تحرك سلطان عُمان قد يكون محاولة لفتح نافذة دبلوماسية وسط التصعيد، لكن نجاحها سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات تمنع تحول أزمة هرمز إلى شرارة لحرب إقليمية أوسع.







