حرية
تحولت موجات الحر التي تضرب أوروبا إلى عامل يدعم إنتاج الطاقة الشمسية، في وقت تواجه فيه القارة ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز واضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية. وبينما توفر الشمس كميات قياسية من الكهرباء خلال ساعات النهار، يبقى التحدي الأكبر في تلبية الطلب المرتفع خلال المساء مع تراجع الإنتاج الشمسي.
وأظهرت بيانات مركز أبحاث الطاقة الأوروبي “إمبر” أن الطاقة الشمسية سجلت خلال يونيو/حزيران الماضي رقماً قياسياً بإنتاج بلغ 52 تيراواط/ساعة، ما وفر نحو 25% من إجمالي الكهرباء المنتجة في الاتحاد الأوروبي، في أول مرة تشكل فيها الطاقة الشمسية ربع إنتاج الكهرباء الشهري في التكتل.
وجاء هذا الإنجاز بالتزامن مع موجة حر غير مسبوقة، إذ تجاوز متوسط درجات الحرارة في أوروبا المعدلات المناخية بنحو 1.78 درجة مئوية، ما عزز إنتاج الألواح الشمسية ورفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الأوروبي إلى 47.2% خلال عام 2025، مقابل 29.6% فقط للوقود الأحفوري.
اقتصادياً، ساهم التوسع في الطاقة الشمسية في تقليص اعتماد أوروبا على واردات الوقود، التي بلغت قيمتها أكثر من 336 مليار يورو خلال العام الحالي، رغم استمرار الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من الولايات المتحدة، التي تستحوذ على أكثر من نصف واردات الاتحاد من هذا الوقود.
كما أسهمت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الحد من تأثير تقلبات أسعار الغاز على أسعار الكهرباء، حيث تشير تقارير أوروبية إلى انخفاض متوسط أسعار الكهرباء بأكثر من 24% نتيجة التوسع في مصادر الطاقة النظيفة، فيما برزت إسبانيا كنموذج ناجح بعد مضاعفة قدراتها في الطاقة الشمسية والرياح، ما خفف ارتباط أسعار الكهرباء بأسعار الغاز بشكل كبير.
ورغم هذه المكاسب، كشفت موجات الحر عن تحدٍ متزايد يتمثل في ارتفاع الطلب على الكهرباء خلال ساعات المساء بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، في وقت ينخفض فيه إنتاج الطاقة الشمسية مع غروب الشمس. وأدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار الكهرباء، إذ قفز سعر الميغاواط/ساعة في ألمانيا من نحو 86 يورو ظهراً إلى أكثر من 560 يورو مساءً خلال إحدى موجات الحر الأخيرة.
كما أثرت درجات الحرارة المرتفعة في بعض محطات الطاقة التقليدية، إذ اضطرت فرنسا إلى إيقاف أحد مفاعلاتها النووية مؤقتاً بسبب ارتفاع حرارة مياه التبريد، ما زاد الضغوط على منظومة الكهرباء.
تكشف التجربة الأوروبية أن الطاقة الشمسية لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت أداة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، خصوصاً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تهدد إمدادات النفط والغاز.
لكن في المقابل، تؤكد الأزمة أن زيادة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة وحدها لا تكفي، إذ إن غياب منظومات التخزين واسعة النطاق يجعل فائض الكهرباء المنتج نهاراً غير قادر على تغطية ذروة الطلب المسائية، وهو ما يُعرف في أسواق الطاقة بـ”فجوة الغروب”.
ولهذا تتجه السياسات الأوروبية إلى الاستثمار المكثف في بطاريات التخزين، ومحطات الضخ المائي، وتطوير شبكات الربط الكهربائي بين الدول، بما يسمح بنقل فائض الكهرباء إلى المناطق الأكثر احتياجاً عند أوقات الذروة.
وتشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الطاقة في أوروبا لن يعتمد على زيادة عدد الألواح الشمسية فقط، بل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج والتخزين والربط الذكي، بما يضمن استقرار الإمدادات ويحد من تقلبات الأسعار، خاصة مع توقعات استمرار موجات الحر وارتفاع الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.







