رفيق خوري
لا أحد يعرف إلى أي حد يريد أو يستطيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على إسرائيل للانسحاب حتى مما أضافته إلى الاحتلال من أراض عربية، لكن الموقف المعلن لرئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس هو الإصرار على البقاء في أجزاء من لبنان وغزة وسوريا، وهو موقف يناقض ويعرقل “سلام ترمب” في غزة، واتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا، وحسابات واشنطن الإستراتيجية في سوريا الجديدة.
وإذا كانت بيروت قد ارتاحت لبيان من “الخارجية الأميركية” يؤكد الحرص على سيادة لبنان، ويصف البقاء في أي جزء منه بأنه مخالفة للاتفاق الإطاري، فإن رد تل أبيب كان مزيداً من الغارات الجوية والتدمير والقتل وتجريف البنية التحتية.
ولا أحد يجهل أين تنفذ إيران نقل العقيدة العسكرية “من الدفاع إلى الهجوم”، بقرار من المرشد مجتبی خامنئي، يقول مستشاره إنه سيغير معادلات القوة في العالم، فليس هذا جديداً، إذ هو بدأ مع تصدير الثورة المكلّف بها “الحرس الثوري” بحسب دستور الإمام الخميني، وبالتالي مع تأسيس الفصائل الأيديولوجية المذهبية المسلحة المرتبطة بـ “فيلق القدس” في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى تسليح الحوثيين في اليمن و”حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة.
وما دام التوجه في العقيدة الهجومية هو نقل “المعارك إلى أرض العدو”، فإن الرد الإيراني على الهجوم الأميركي -الإسرائيلي حدد أرض العدو: إسرائيل ودول الخليج والأردن، بحجة قصف القواعد العسكرية الأميركية، لا بل إن العدو هو العالم كله بفعل إغلاق مضيق هرمز، وما قام به “حزب الله” في حرب إسناد غزة وحرب إسناد إيران و”الحشد الشعبي” في العراق والحوثيون في اليمن، هو قصف إسرائيل وبعض دول الخليج، وإغلاق باب المندب أمام السفن السعودية.
وليس أمراً قليل الدلالات أن يأتي قائد “فيلق القدس” الجنرال إسماعيل قاآني إلى بغداد ليطلب وقف سحب السلاح من “الحشد الشعبي”، عاداً أن السحب طعنة لإيران، ومتى؟ بعدما حددت حكومة علي الزيدي نهاية حدثين: خروج كل القوات المشتركة الأجنبية من العراق، وتسليم الفصائل أسلحتها.
وكذلك يشدد “حزب الله” على رفضه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ويعلن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم “أن المقاومة قادرة على تغيير المعادلة”، ويدعو “جمهور المقاومة إلى أن يختزن غضبه والاستعداد لاستخدامه في الوقت الذي يحين لتحقيق أهدافه ومطالبه”، فمتى يحين ذلك؟ “الغضب له وقت ويمكن أن ينفجر، أما كيف ينفجر فليتحمل من لا يعرف، ويحاول العمل ضد المقاومة وأهل المقاومة المسؤولية”.
وهذا التهديد هو للسلطة في الداخل أكثر منه لإسرائيل، وكل شيء على التوقيت الإيراني والاستعداد للمواجهة إلى النهاية، في معركة على علي الطاهر وأنفاقه، ذلك أن سحب السلاح من الفصائل المرتبطة بإيران في العراق يسحبُ من أمام الجمهورية الإسلامية موقعاً مهماً آخر بعد سوريا، ليصبح المشروع الإقليمي الإيراني معلقاً في الهواء، ويحتاج إلى جسر جوي ليصل إلى لبنان المصرّ على سحب السلاح المرتبط بـ “الحرس الثوري” والنفوذ الإيراني.
والمعركة في بغداد هي بين النفوذ الإيراني والنفوذ الأميركي، والورقة التي تلعبها واشنطن في بغداد أقوى من النفوذ الإيراني وسلاحه، كما من الوجود العسكري الأميركي نفسه، وهي الدولار، فلا قيامة للعراق من دون الاستقرار والاستثمار وإقامة المشاريع والانفتاح والمشاركة مع الغرب والأشقاء العرب، ولا استقرار وبناء مع بقاء السلاح في أيدي 70 فصيلاً مسلحاً على ارتباط بـ “الحرس الثوري”، ويستطيع قصف أي مكان في الخليج، والتأثير في معادلات القوة في سوريا، وبالتالي في لبنان.
والمعادلة في لبنان دقيقة وتحمل كثيراً من أثقال التوازنات الداخلية والأوزان الخارجية، فالحفاظ على السلاح الذي تعمل إيران على احتفاظ “الحزب” به، بحجة أنه سلاح جيش المهدي، يعني بقاء الاحتلال الإسرائيلي والاستعداد لجولات أخرى تقود إلى مزيد من الاحتلال والانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي، وسحب السلاح يعني نهاية المشروع الإقليمي الإيراني، بصرف النظر عما إذا كان يؤدي إلى سلام مستدام أو لا، وبداية النهوض اللبناني في إطار الدولة الوطنية صاحبة السيادة، والمالكة قرار الحرب والسلم، كأية دولة مستقلة، ومن هنا الخطر المزدوج على لبنان: خطر بقاء الاحتلال الإسرائيلي ولو في “المنطقة الصفراء”، وخطر استمرار السلاح ولو من دون استخدامه، فكيف إذا كان “حزب الله” يهدد باستخدامه في مرحلة انتقال العقيدة العسكرية الإيرانية من الدفاع إلى الهجوم، والمعارك على أرض العدو؟ وكيف إذا كان الأخطر من السلاح هو “اختراق إيران المجتمعات العربية”، بحسب البروفيسور غريفوري کوز؟






