حرية
وجّه مجلس القضاء الأعلى في العراق، اليوم الأحد، المحاكم المختصة باتخاذ إجراءات قانونية أكثر صرامة بحق المتجاوزين على الشبكة الوطنية للكهرباء، وكذلك الأشخاص الذين يعتدون على اللجان الميدانية التابعة لوزارة الكهرباء أثناء تنفيذ حملات إزالة التجاوزات.
وذكر المجلس في بيان أن جلسته السادسة، التي ترأسها رئيس محكمة التمييز الاتحادية القاضي فائق زيدان، ناقشت طلباً مقدماً من وزارة الكهرباء يتعلق بظاهرة التجاوزات على الشبكة الكهربائية في مختلف المحافظات.
وأوضح البيان أن المجلس وجّه محاكم التحقيق المختصة إلى التعامل مع حالات التجاوز على الشبكة الوطنية وفق المادة (11/444) من قانون العقوبات، باعتبارها جريمة “سرقة للمال العام”، بما يستوجب تطبيق العقوبات القانونية المشددة بحق المخالفين.
كما شدد المجلس على أن أي اعتداء على لجان وزارة الكهرباء المكلفة بإزالة التجاوزات يُعد جريمة مشهودة وفق أحكام المادتين (229 و230) من قانون العقوبات، داعياً إلى اتخاذ الإجراءات الرادعة للحد من هذه الممارسات وضمان حماية الفرق الميدانية أثناء أداء واجباتها.
يحمل قرار مجلس القضاء الأعلى أبعاداً قانونية واقتصادية وإدارية مهمة، ويعكس تحولاً في طريقة تعامل الدولة مع أزمة الكهرباء المزمنة في العراق.
أولاً: تحويل التجاوز من مخالفة خدمية إلى جريمة مالية
اللافت في القرار هو اعتبار التجاوز على الشبكة الكهربائية “سرقة للمال العام” وليس مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز على الخدمة. وهذا التكييف القانوني يرفع من مستوى المسؤولية الجنائية ويمنح السلطات القضائية أدوات أقوى لملاحقة المخالفين.
ثانياً: دعم حكومي لحملات إزالة التجاوزات
تتعرض فرق وزارة الكهرباء في كثير من المناطق إلى ضغوط اجتماعية أو اعتداءات أثناء تنفيذ حملات رفع التجاوزات. لذلك فإن توجيه القضاء بتشديد العقوبات على المعتدين يهدف إلى توفير غطاء قانوني وأمني أكبر للفرق الميدانية.
ثالثاً: أزمة مالية خلف القرار
تتسبب التجاوزات والربط غير القانوني بخسائر مالية كبيرة لقطاع الكهرباء، فضلاً عن زيادة الأحمال على الشبكة الوطنية وتفاقم ساعات الانقطاع. لذلك تنظر الدولة إلى هذه الظاهرة باعتبارها أحد أسباب استنزاف الموارد العامة وعرقلة خطط تحسين الخدمة.
رابعاً: رسالة سياسية وإدارية
يأتي القرار في وقت تتصاعد فيه الضغوط الشعبية لتحسين واقع الكهرباء، ما يشير إلى وجود توجه حكومي وقضائي نحو فرض هيبة القانون في ملف الخدمات العامة، خصوصاً مع تزايد الحديث عن إصلاح قطاع الكهرباء وتقليل الهدر الفني والتجاري.
قراءة أعمق
يمثل هذا القرار مؤشراً على انتقال الدولة من سياسة التساهل النسبي مع التجاوزات إلى سياسة الردع القانوني المباشر. غير أن نجاح هذه السياسة سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحقيق توازن بين تطبيق القانون وتحسين تجهيز الطاقة للمواطنين، إذ إن معالجة التجاوزات وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع حلول مستدامة لأزمة الكهرباء وتطوير البنية التحتية للشبكة الوطنية.






