بقلم: أحمد الحمداني
من (الطك لا يبرد) إلى (أخبزك خبز العباس).. هل تحولت ذاكرة الحروب إلى جزء من ذائقتنا وفرحنا؟
كنت جالساً في أحد المطاعم أتابع أمسية غنائية، أبحث مثل بقية الحاضرين عن شيء من الموسيقى والهدوء بعد يوم طويل بدأت الأجواء عادية أغنيات وكلمات وإيقاعات مألوفة حتى تحولت الأمسية تدريجياً إلى لون آخر تماماً تعالت كلمات من نوع: (حار بحار.. الطگ لا يبرد) و- (لا تتمادى.. أخبزك خبز العباس) وغيرها من الأهازيج ذات النبرة الحربية والتحدي والوعيد. والمثير بالنسبة لي لم يكن الكلمات وحدها بل التفاعل الكبير معه ارتفعت الأصوات وصفق الحاضرون بحماس وتحولت القاعة للحظات وكأنها ساحة استعراض للقوة، لا أمسية غنائية في مطعم.
راقبت المشهد وسألت نفسي لماذا نتحمس للغة العنف إلى هذا الحد؟
لماذا تصبح الأغنية التي تتحدث عن (الطك) والتهديد والتحدي أكثر قدرة على إشعال الحماس من أغنية تتحدث عن الحب والجمال والحنين؟ ولماذا نجد في مفردات القوة والثأر والخصومة مادة للاحتفال والرقص؟
أنا هنا لا أحاكم أغنية ولا مطرباً ولا جمهوراً المسألة بالنسبة لي أكبر من ذلك. الأغنية في النهاية مرآة وما نسمعه ونردده قد يكشف شيئاً مما ترسخ في وعينا الاجتماعي العراقي عاش عقوداً طويلة من الحروب والانقلابات والحصار والإرهاب والصراعات السياسية والاجتماعية أجيال كاملة كبرت وهي تسمع مفردات المعركة والنصر والهزيمة والسلاح والخصومة والتحدي ومع مرور الزمن يمكن أن تنتقل بعض هذه اللغة من ساحات الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية ثم إلى الأغنية والاحتفال والمزاح وحتى طريقة التعبير عن الفرح.
وهنا تذكرت عالم الاجتماع العراقي علي الوردي وقراءته للشخصية والمجتمع العراقي ولا سيما حديثه عن الصراع بين منظومة قيم البداوة القائمة على العصبية والغلبة والقوة وبين قيم المدينة والاستقرار والتعايش وبغض النظر عن الاتفاق الكامل مع تحليلات الوردي أو الاختلاف معها فإنها تفتح باباً مهماً لفهم بعض التناقضات التي نعيشها حتى اليوم فنحن مجتمع يكتب الشعر في الحب لكنه قد يحتفل بأغنية تهدد الخصم نبكي عند سماع أغنية عن الأم ثم نقف بعد دقائق بحماس على إيقاع كلمات عن (الطك)نعشق الكرم والنخوة لكننا أحياناً نخلط بين الهيبة والعنف، وبين الشجاعة والعدوان وبين الرجولة وارتفاع الصوت وهنا تكمن المشكلة ليس كل حماس عنفاً وليست كل أهزوجة حربية دعوة إلى الاعتداء، فالأهازيج جزء من التراث الشعبي العراقي ولها سياقات تاريخية واجتماعية معروفة لكن عندما تصبح مفردات التهديد والعنف جزءاً طبيعياً من الترفيه اليومي، فمن المشروع أن نتساءل عن الرسائل التي نعيد إنتاجها، خصوصاً أمام الأجيال الجديدة.
الأغنية ليست شيئاً هامشياً الموسيقى والكلمة تصنعان المزاج العام وما نكرره كثيراً يتحول بالتدريج إلى لغة مألوفة نحن بحاجة إلى أغنية تجعل الشاب يردد كلمات الحب لا التهديد والجمال لا الانتقام والأمل لا الخصومة نحتاج إلى فن يعيد للهدوء قيمته وللعاطفة مكانتها ويجعل التعبير عن الحب أمراً لا يقل قوة عن استعراض القوة.
وأنا جالس في ذلك المطعم، لم يكن السؤال الذي خرجت به لماذا يحب الناس هذه الأغاني؟
كان السؤال الأعمق كم تركت الحروب في داخلنا من حرب حتى أصبحنا نحتاج إلى إيقاع العنف كي نفرح؟
ربما حان الوقت ألا نكتفي بإعادة بناء شوارع العراق ومدنه ومؤسساته بل أن نعيد بناء لغتنا وثقافتنا وذائقتنا أيضاً.
فالعراق الذي دفع ثمناً باهظاً للحروب يستحق أن يتعلم أبناؤه كيف يحتفلون بالحياة.






