د. هبة السامرائي
كم من علاقة انتهت بسبب سوء فهم بسيط؟ وكم من قلب ابتعد لأنه ظن أن صمت الطرف الآخر تجاهل، بينما كان في الحقيقة تغافلاً؟ وكم من إنسان استنزف عمره في معارك صغيرة لأنه لم يتعلم الفرق بين أن يتغافل وأن يتجاهل؟
في زحام العلاقات الإنسانية، وبين اختلاف الطباع وتباين النفوس، تبرز مهارتان تبدوان متشابهتين في الظاهر، لكن بينهما فرق شاسع في المعنى والأثر: التغافل والتجاهل.
التغافل هو أن ترى ولا تُشعر، وأن تفهم ولا تُحاسب، وأن تدرك الخطأ ثم تختار ألا تقف عنده. هو أن تمنح الآخرين مساحة بشرية ليخطئوا دون أن تجعل من كل هفوة قضية ومن كل زلة جريمة. فالمتغافل ليس أعمى عن الأخطاء، بل بصير بها، لكنه يملك من الحكمة ما يجعله يفرق بين ما يستحق الوقوف عنده وما يستحق المرور عنه.
أما التجاهل فهو قرار واعٍ بعدم منح الاهتمام. قد يكون تجاهلاً لكلام مستفز، أو لشخص يتعمد الإساءة، أو لموقف لا يستحق استنزاف المشاعر والطاقة. إنه ليس بالضرورة سلوكاً سلبياً كما يظن البعض، بل قد يكون أحياناً أرقى أشكال حماية النفس.
الفرق بينهما أن التغافل غالباً يُمارس حفاظاً على العلاقة، بينما يُمارس التجاهل حفاظاً على الذات. فحين تتغافل عن صديق أخطأ في كلمة أو نسي مناسبة أو بدر منه تصرف عابر، فأنت تمنح الود فرصة للاستمرار …
أما حين تتجاهل شخصاً يكرر الإساءة أو يتعمد التقليل من شأنك، فأنت تمنح نفسك حقها في السلام والكرامة.
ولأن الحياة ليست مثالية، فإن التغافل يصبح ضرورة لا رفاهية…
فلو أننا وقفنا عند كل كلمة، وحاسبنا على كل هفوة، وراجعنا كل تصرف صدر من الآخرين، لتحولت علاقاتنا إلى ساحات تحقيق لا تنتهي. البشر بطبيعتهم ناقصون، والكمال ليس من صفاتهم، ولذلك فإن شيئاً من التغافل هو الزيت الذي يمنع احتكاك العلاقات من إشعال الحرائق بينها.
التغافل لا يعني التنازل عن الكرامة، ولا التغاضي عن الظلم، ولا قبول الإهانة ،بل له شروط تجعله فضيلة لا ضعفاً…
أولها أن يكون الخطأ عارضاً غير متكرر، وأن يكون غير مقصود في الغالب، وأن تكون العلاقة ذات قيمة تستحق المحافظة عليها. كما يجب أن يصدر التغافل من قوة داخلية وثقة بالنفس، لا من خوف أو عجز عن المواجهة.
وفي المقابل، هناك مواقف يصبح فيها التجاهل أكثر حكمة من أي رد. عندما يتحول النقاش إلى جدال عقيم، وعندما يصبح الطرف الآخر مصراً على الإساءة، وعندما تستنزفك محاولات التوضيح دون جدوى، فإن التجاهل هنا لا يكون هروباً، بل قراراً ناضجاً بعدم إهدار الوقت والمشاعر فيما لا يستحق.
ومع مرور السنوات يكتشف الإنسان أن راحته النفسية لا تأتي من الرد على الجميع، ولا من تصحيح كل خطأ، ولا من الانتصار في كل معركة. بل تأتي من امتلاك البصيرة التي تمكنه من اختيار معاركه بعناية. فليست البطولة أن تقول كل ما تعرف، ولا أن تواجه كل ما ترفض، بل أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، ومتى تتغافل ومتى تتجاهل.
إن أجمل العلاقات ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يسودها قدر من الرحمة والتفهم والتغافل الجميل. وأقوى الشخصيات ليست التي ترد على كل شيء، بل التي تعرف أن بعض الأمور أصغر من أن تُمنح اهتماماً، وبعض الأشخاص أبعد من أن يُمنحوا مساحة داخل القلب.
وفي النهاية، يمكن القول إن التغافل فنّ الحفاظ على العلاقات، بينما التجاهل فنّ الحفاظ على النفس…
والحكمة الحقيقية لا تكمن في استخدام أحدهما دائماً، بل في معرفة اللحظة المناسبة لكل منهما…
فهناك أخطاء يعالجها التغافل، وهناك أذى لا يوقفه إلا التجاهل …
وبين هذا وذاك يولد السلام …






