سوسن الأبطح
أن تشعر بأنك تعيش في عالم مجنون، قد يحدث فيه أي شيء في أي لحظة، ليس مجرد إحساس فردي، أو سوداوية طارئة. بل هو أمر يؤكده تقرير «صندوق النقد الدولي – آفاق» الذي صدر في أبريل (نيسان) الماضي. وحين تخبرك أكبر مؤسسة مالية في العالم أننا في خضمّ «صدمة هيكلية غير مسبوقة»، عليك أن تتهيب. فما هو واضح في التقرير أن الأزمة ليست سحابة صيف، وأنه تنتظرنا موجات متتابعة من اللكمات والضربات، ما يستجرّ حالة متواترة من عدم اليقين.
بالتالي، المفاجآت صارت القاعدة، لا الاستثناء، والعودة إلى هدوء «ما قبل الهستيريا» يستدعي تحولاً في الأنظمة، ووقتاً طويلاً، وجهوداً حثيثة. أي عليك ألّا تستغرب انتشار وباء جديد، أو إفلاس بنوك، وربما اندلاع حرب في بقعة هادئة لم تكن في البال، تماماً كما بتّ تسمع عن طائرات ستلغي رحلاتها لعدم توفر الوقود، أو انتشار مجاعة بسبب شحّ السماد، وهذا آخر ما كنت تتوقعه.
كل محلل يطلق على الفوضى التي نحن فيها ما يراه مناسباً من الأسماء: «عصر التفكك»، «زمن الظلمات الجديد»، «فترة طوارئ»، «مرحلة اضطراب». إنما الاتفاق على أن الأزمات مركبة، ومتقاطعة، وما يستدعي القلق أن كل محاولة لحلّ مشكلة، تنتج عنها مشكلتان، إن لم يكن أكثر. فخوفاً من غدر الحروب تلجأ الدول إلى تعزيز التسلح، مثلاً. لكن تبين بدراسة حالة 27 دولة بين عامي 1970 و2022، أنه كلما زادت الدول إنفاقها على الأمن، ارتفعت ديونها والتضخم، واضطرت لتقليص خدماتها لمواطنيها، ما يزيد الغضب الاجتماعي، والاضطرابات الداخلية، ويستجرّ حروباً جديدة. أي أن البحث عن الأمان يجلب العنف.
أرأيت كيف أن الأمور ليست بالبساطة التي نتخيلها. غالبية الدراسات تؤكد أن العالم لم يفقد صوابه، لكنه يزداد تعقيداً وهشاشة في آن واحد. بسبب وطأة وباء «كوفيد» الذي أرغم الحكومات على الاقتراض والصرف بلا حدود، لا تزال دول كثيرة ترزح تحت وطأة الضغوط الاقتصادية. ولما لم تتمكن الدول من شدّ أحزمتها، وذهبت إلى طباعة الأوراق النقدية، ازداد التضخم. وقبل أن يتنفس العالم الصعداء، اندلعت حرب أوكرانيا – روسيا. وكان لا يزال الحديث مشتعلاً لوأد نارها، حين بدأت فجأة حرب أميركا وإسرائيل على إيران، التي يقول البنك الدولي إن تأثيرها سيكون حاسماً على النمو واقتصاد العالم، لو استمرت لفترة أطول، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط.
وبحسب تصور المحللين، فإن التوترات لن تنتهي بهذه الحرب القاسمة، بل هو مسلسل متواصل لسنوات.
وإن كان تفسير ظاهرة الاضطرابات المتواصلة المتشابكة صعباً، فالمحاولات حثيثة. المؤرخ الفرنسي هارتموت روزا عبر نظرية «تسارع التاريخ» يرى أن التكنولوجيا باتت أسرع من قدرة البشر على التأقلم معها، والأخبار تتدفق بما لا يتلاءم وقدرتنا على تحليلها، كذلك السياسات والتصريحات تتضارب بما لا يسمح لنا بهضمها، وتصبح مصدر صداع. فما كان يستغرق أشهراً صار يحتاج أياماً فقط، هل نحن مهيأون فعلاً؟
لكن أشهر من عكف على فهم الجنون الذي نحن فيه المحلل الاقتصادي آدم توز، من خلال نظرية «الأزمة المتعددة». فالحرب تؤثر في سعر الطاقة، فينتج التضخم، فإذا بالنظام السياسي يهتز، وهذا يجعل المجتمع أقل استقراراً. والحروب أيضاً تدفع إلى الهجرة، ووجود مهاجرين يعزز الشعور العنصري، ويدفع إلى إعلاء لواء الشعبويين، وهكذا تهتز الديمقراطية. يبدو العالم تبعاً لهذا المؤرخ، كأنه مركب من أحجار لعبة الدومينو، لا تتوقف حجارتها عن الحركة.
الاجتهادات كثيرة، منها قول زيغمونت بومان إنه «نهاية العالم القديم» بكل مؤسساته وأنظمته وبناه الدولية وقواه الاستعمارية، من دون أن يتهيأ عالم جديد لوراثته، وهذا سمعناه كثيراً. وكذلك نظرية «الحداثة السائلة» التي تقول إن ما كنا نعيشه فقد متانته ودوامه، وأصبح كل شيء مهدداً وسريع العطب، من الوظيفة إلى العائلة والصداقة، كما الهوية والمستقبل. لهذا، نحن نعيش قلقاً مزمناً. وإذا أردت مزيداً؛ هناك نظرية «الصدمة المستقبلية» التي نُبشت منذ سبعينات القرن الماضي لألفين توفلر، وتقول إن البشر لا ينهارون تحت وقع الحوادث فقط، وإنما بسبب التغييرات المتتابعة والكثيفة، التي لا تترك لهم مجالاً لالتقاط الأنفاس. وهذه هي حالنا. خاصة أن غالبية ما نفاجأ به من الصنف الأليم.
تتزاحم النظريات، لفهم وضع سوريالي عرفنا بدايته، ولم نلمح بصيص ضوء له في نهاية النفق.
ما كدنا ننتهي من نظريتي «صدام الحضارات» و«نهاية التاريخ» اللتين بشرتا بكل ما هو شرير مع بداية الألفية، إلا وأطل علينا سيل من النظريات، منها القديم المجدد، والحديث الطازج، لفكّ لغز الملامح الكارثية الكونية التي تدفقت في السنوات العشر الأخيرة كأنها بلا نهاية.
هذه التحولات، حتى إن بدت سريعة، قد تحتاج عمراً أو أعماراً كي ترسو على برّ الأمان. لهذا، على كل منا أن يجد خلاصه الفردي، وأمانه قدر الممكن، ويسعى بكل ما أوتي من مهارة إلى تكيف ذكي يقيه شرّ الآتي.





