حرية
احتضنت العاصمة الأردنية عمّان، الأحد، محادثات رفيعة المستوى بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية، في محاولة لخفض التصعيد المتزايد بين الجانبين وإعادة تحريك مسار التفاوض بشأن اتفاق أمني، وذلك بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الأراضي السورية.
ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية السورية أن المحادثات ركزت على وضع آليات لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، إلى جانب بحث إمكانية إحياء المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل لاحقاً أساساً لتسوية أكثر شمولاً.
كما تناولت المحادثات سبل دعم استقرار سوريا والحفاظ على أمن المنطقة، فضلاً عن الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين تركيا وإسرائيل، ومنع انتقال التوتر القائم بين الطرفين إلى الأراضي السورية.
دمشق: استئناف المفاوضات قريباً
وتأتي هذه المحادثات بعد تصريحات لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أكد فيها أن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل خلال الفترة المقبلة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن أزمة الثقة بين الطرفين لا تزال تمثل عقبة أساسية أمام إحراز تقدم حقيقي.
وقال الشيباني إن المفاوضات تجمدت عقب الحرب الإيرانية الإسرائيلية، معرباً عن أمل دمشق في استئنافها لاستكمال الملفات التي جرى بحثها سابقاً، مشيراً إلى أن الاتصالات انقطعت بشكل كامل بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية السورية.
وتسعى الولايات المتحدة منذ أكثر من عام إلى دفع دمشق وتل أبيب نحو اتفاق أمني، في محاولة لمنع تحول الحدود السورية الإسرائيلية إلى جبهة مفتوحة، واحتواء تداعيات الصراعات الإقليمية المتشابكة.
اتفاق شبه مكتمل على الورق
وكشف الشيباني أن المفاوضات السابقة كانت قد قطعت شوطاً متقدماً، مشيراً إلى أن الطرفين توصلا في بداية العام إلى تفاهمات بشأن عدد من النقاط، أبرزها مبدأ عدم الاعتداء وعدم التدخل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية.
وكان التصور المطروح يتضمن إنشاء ترتيبات أمنية ومناطق محددة قرب الحدود الإسرائيلية، بينها منطقة عازلة لا تنتشر فيها سوى قوات تابعة للأمم المتحدة، إلى جانب مناطق أخرى تسمح بوجود قوات سورية بأعداد متفاوتة.
غير أن دمشق لا تزال تشكك في استعداد إسرائيل للالتزام باتفاق طويل الأمد، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
الانسحاب وإحياء اتفاق 1974
وبحسب الوكالة السورية، شدد الوفد السوري خلال اجتماع الأحد على أن الأولوية المباشرة تتمثل في انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 وتنفيذه بصورة كاملة.
كما أكد الوفد أن سوريا دولة ذات سيادة، وأن من حقها إعادة بناء جيشها الوطني وتطوير قدراته وتحديد تحالفاتها وشراكاتها وفق مصالحها الوطنية، رافضاً أي ترتيبات أمنية من شأنها تقييد القرار السيادي السوري.
وجددت دمشق كذلك موقفها بأن الجولان أرض سورية محتلة، معتبرة أن البحث في وضعه النهائي أو المسار السياسي المؤدي إلى ذلك لا يزال سابقاً لأوانه في المرحلة الحالية.
إسرائيل والواقع الميداني
وتواجه المحادثات تحدياً رئيسياً يتمثل في الفجوة بين المسار الدبلوماسي والتطورات الميدانية. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، سيطرت إسرائيل على مناطق في جنوب غرب سوريا، مبررة تحركاتها باعتبارات أمنية وحماية مواطنيها من أي تهديدات محتملة، كما نفذت غارات على مواقع عسكرية سورية.
في المقابل، تنفي دمشق أن تكون قد شكلت تهديداً لإسرائيل، وتطالب بإنهاء العمليات العسكرية والانسحاب من الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية.
ولم يصدر، وفق المعطيات المتاحة، تعليق إسرائيلي رسمي على تصريحات وزير الخارجية السوري أو تفاصيل المحادثات التي جرت في الأردن.
تكشف عودة الاتصالات السورية الإسرائيلية عن محاولة أميركية لإعادة ضبط المشهد الأمني على الحدود، قبل أن تتحول التحركات العسكرية المتبادلة إلى واقع دائم يصعب احتواؤه.
وتملك واشنطن مصلحة واضحة في إنجاح هذا المسار، لأن أي اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يمكن أن يخفف أحد مصادر التوتر في منطقة شديدة الحساسية، كما قد يحد من فرص انتقال أزمات الإقليم إلى الأراضي السورية، ولا سيما التوترات المرتبطة بإيران وتركيا وإسرائيل.
لكن العقبة الأساسية لا تبدو تقنية بقدر ما هي سياسية وميدانية. فدمشق تريد استعادة السيطرة على أراضيها والحفاظ على قرارها السيادي، بينما تركز إسرائيل على إنشاء ترتيبات أمنية تضمن لها منع أي تهديد محتمل من الجانب السوري.
ومن هنا، فإن نجاح المفاوضات سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الوساطة الأميركية على تحويل التفاهمات النظرية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، خصوصاً في ملفات الانسحاب، وترتيبات الانتشار العسكري، ومنع الاعتداءات، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
كما أن مسألة الجولان ستبقى خارج نطاق التسوية الأمنية السريعة، نظراً لحساسيتها السياسية والقانونية، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل أقرب في مرحلته الأولى إلى تفاهم أمني مرحلي منه إلى اتفاق سلام شامل.
وبالتالي، فإن اجتماع الأردن يمثل اختباراً أولياً لمدى إمكانية إعادة بناء الثقة بين دمشق وتل أبيب، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطريق بات ممهداً لاتفاق نهائي، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وتباعد المواقف بشأن السيادة والوجود العسكري والحدود.







