وفاة السياسي العراقي نصير الجادرجي في عمّان عن 93 عاماً
حرية
توفي اليوم السبت 12 أيلول 2026 في العاصمة الأردنية عمّان السياسي العراقي نصير كامل رفعت الجادرجي عن عمر ناهز 93 عاماً، بعد مسيرة امتدت لعقود وارتبطت بتاريخ الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية وتحولات الحياة السياسية في البلاد.
وأعلنت عائلة الجادرجي وفاة فقيدها في بيان نعي، قالت فيه إنه رحل في مدينة عمّان بعد حياة حافلة بالعطاء والكرامة، مشيرة إلى أن تفاصيل مراسم التشييع والعزاء ستعلن لاحقاً.
ويمثل رحيل الجادرجي غياب أحد الأسماء التي تنتمي إلى عائلة سياسية وفكرية عريقة تركت بصمتها في تاريخ العراق الحديث، إذ نشأ في بيت كان في قلب النشاط السياسي الوطني، وكان والده كامل رفعت الجادرجي أحد أبرز رموز التيار الوطني الديمقراطي في العراق ومؤسس الحزب الوطني الديمقراطي مع محمد حديد وشخصيات سياسية أخرى عام 1946.
من هو نصير الجادرجي؟
عمل نصير الجادرجي في المحاماة والأعمال والزراعة، لكنه ظل مرتبطاً بالشأن السياسي والفكري الذي نشأ في أجوائه، قبل أن يتولى لاحقاً قيادة الحزب الوطني الديمقراطي ويعيد إحياء نشاطه بعد سقوط النظام السابق عام 2003.
ولم تكن علاقة الجادرجي بالسياسة وليدة مرحلة ما بعد 2003، إذ عاش منذ شبابه أحداثاً مفصلية من تاريخ العراق الحديث، وتناولت مذكراته وثبة كانون 1948 وانتفاضة 1952 وانتخابات 1954 وأحداث 1956 وثورة 14 تموز 1958، فضلاً عن انقلاب شباط 1963 وما أعقبه من تحولات سياسية.
وبذلك كان الجادرجي شاهداً على حقب متعاقبة من تاريخ الدولة العراقية، من العهد الملكي إلى الجمهورية والانقلابات والصراعات السياسية، وصولاً إلى مرحلة ما بعد عام 2003.
عضو في مجلس الحكم بعد 2003
برز اسم نصير الجادرجي مجدداً في الحياة السياسية العراقية عقب تغيير النظام عام 2003، حين شارك في الجهود السياسية التي سبقت تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، ثم أصبح عضواً في المجلس الذي تأسس في تموز من العام نفسه.
وخلال تلك المرحلة عُرف بمواقفه ذات الطابع المدني والديمقراطي، وتوثق مذكراته عدداً من الخلافات والمواقف مع الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، ومنها قضايا تتعلق بحل الجيش العراقي السابق والتعامل مع العسكريين العراقيين وتصرفات القوات الأميركية.
كما تناولت تجربته في مجلس الحكم ملفات حساسة رافقت تأسيس النظام السياسي الجديد، من بينها قانون إدارة الدولة والفيدرالية وعلم العراق وقضايا المرأة وشكل الدولة والعلاقات بين القوى السياسية.
وتشير مراجعات مذكراته إلى أنه ترأس وفداً اقتصادياً عراقياً إلى بيروت، كما ترأس وفد العراق إلى القمة العربية في تونس خلال المرحلة الانتقالية.
وريث مدرسة وطنية عراقية
ارتبط اسم الجادرجي بصورة وثيقة بالإرث السياسي لوالده كامل الجادرجي، الذي قاد الحزب الوطني الديمقراطي وكان من أبرز دعاة النظام الديمقراطي والحياة البرلمانية ومواجهة الفساد والاستبداد السياسي خلال العهد الملكي والسنوات الأولى من الجمهورية.
وبعد عام 2003 أعاد نصير الجادرجي الحزب الوطني الديمقراطي إلى النشاط السياسي، محاولاً استعادة حضور المدرسة المدنية الوطنية التي ارتبطت بتاريخ الحزب، قبل أن يتراجع نشاطه لاحقاً وتتفرع عنه تيارات وتنظيمات أخرى.
وتشير شهادة منشورة عن تجربته إلى أن نصير الجادرجي، على غرار والده، أنفق من أمواله الخاصة للمحافظة على نشاط الحزب الوطني الديمقراطي بعد إعادة تأسيسه في مرحلة ما بعد 2003.
ذاكرة سياسية امتدت لعقود
ولم تقتصر أهمية الجادرجي على المناصب التي شغلها، إذ شكلت تجربته الشخصية ذاكرة لحقبة طويلة من تاريخ العراق السياسي. وقد وثق جانباً واسعاً منها في مذكراته التي تناولت أحداثاً وشخصيات وصراعات سياسية امتدت من شبابه إلى تجربته في مجلس الحكم بعد 2003.
وبوفاة نصير كامل رفعت الجادرجي يطوي العراق صفحة أحد أبناء المدرسة الوطنية الديمقراطية القديمة، ورجل عاش قرابة قرن من التحولات العراقية الكبرى، من صراعات العهد الملكي ونشوء الأحزاب الوطنية إلى الجمهوريات المتعاقبة ثم إعادة تشكيل النظام السياسي بعد 2003.
ويبقى اسم الجادرجي مرتبطاً بإرث عائلة كان لها حضور بارز في السياسة والفكر والثقافة والعمارة العراقية، وبمرحلة من تاريخ العمل السياسي رفعت شعارات الدولة المدنية والديمقراطية والحياة الدستورية والعمل الحزبي.
12 أيلول.. يوم رحيل شخصيات بارزة
ويحمل تاريخ 12 أيلول مصادفة لافتة في سجل رحيل عدد من الشخصيات السياسية والثقافية البارزة، إذ توفي في اليوم نفسه عام 2011 النحات العراقي الكبير محمد غني حكمت، أحد أبرز رواد النحت العراقي الحديث وصاحب أعمال خالدة في بغداد.
كما توفي في 12 أيلول 2014 رئيس الوزراء المصري الأسبق عاطف عبيد، وفي اليوم ذاته رحل السياسي البريطاني البارز إيان بيزلي، أحد أبرز قادة أيرلندا الشمالية ورئيس وزرائها الأول الأسبق.
وشهد التاريخ نفسه أيضاً وفاة الرئيس البرازيلي الأسبق إرنستو غايزل عام 1996، ورئيس وزراء تونغا أكيليسي بوهيفا عام 2019، فيما توفي السياسي الهندي البارز والأمين العام للحزب الشيوعي الهندي الماركسي سيتارام يتشوري في 12 أيلول 2024.
واليوم، 12 أيلول 2026، ينضم السياسي العراقي نصير كامل رفعت الجادرجي إلى قائمة الشخصيات التي رحلت في هذا التاريخ، بعد مسيرة امتدت لأكثر من تسعة عقود، عاصر خلالها محطات مفصلية من تاريخ العراق الحديث وترك وراءه إرثاً سياسياً ووطنياً وذاكرة حافلة بأحداث الدولة العراقية وتحولاتها.







