حرية
احتضنت العاصمة بغداد، وتحديداً قاعة فندق بابل، الندوة الافتتاحية الأولى لمؤسسة الفراهيدي للحوار، التي انعقدت تحت شعار «الشراكة والدستور»، بمشاركة رسمية وأكاديمية وشخصيات سياسية وأمنية، لمناقشة مستقبل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وآليات معالجة الملفات العالقة في إطار الدستور.
وشهدت الندوة حضور الفريق الدكتور سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، إلى جانب مستشارة رئيس مجلس الوزراء لشؤون المرأة آلاء الطالباني، فضلاً عن عدد من الشخصيات والمهتمين بالشأن السياسي والدستوري.
وركزت أعمال الندوة على بحث مسارات العلاقة بين بغداد وأربيل، وسبل ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية بالاستناد إلى النصوص الدستورية النافذة، بما يتيح تجاوز الخلافات المتراكمة ووضع آليات أكثر وضوحاً لإدارة الملفات المشتركة، وبما ينعكس على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق.
وأكد الفريق سعد معن، في كلمته الرئيسة، أهمية الحوار الوطني وتغليب مصلحة المواطن على الاعتبارات السياسية، مشدداً على أن معالجة الخلافات بين مؤسسات الدولة الاتحادية وإقليم كردستان تتطلب الاحتكام إلى الدستور والحوار والتفاهم بعيداً عن التصعيد.
وأشار معن إلى مستوى التنسيق الأمني القائم بين بغداد وأربيل، ولا سيما في ملفات مكافحة المخدرات وإدارة الملف الأمني في المناطق المشتركة، معتبراً أن هذا التعاون يمثل نموذجاً يمكن البناء عليه لتوسيع مجالات الشراكة بين الجانبين.
تحمل الندوة دلالة تتجاوز بعدها الفكري، إذ تأتي في وقت لا تزال فيه العلاقة بين بغداد وأربيل مرتبطة بعدد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحتاج إلى تفاهمات مستدامة، وفي مقدمتها إدارة المناطق المشتركة، والموارد المالية، والصلاحيات الاتحادية والإقليمية.
ويبدو أن اختيار «الشراكة والدستور» شعاراً للفعالية يعكس محاولة للانتقال من إدارة الخلافات عبر التفاوض المرحلي إلى البحث عن قواعد دستورية ثابتة تحكم العلاقة بين الطرفين. فاستقرار العلاقة بين بغداد وأربيل لا يرتبط فقط بحسم ملف واحد، وإنما بوجود آلية مؤسساتية تمنع إعادة إنتاج الأزمات مع كل استحقاق سياسي أو مالي جديد.
كما أن الإشارة إلى التعاون الأمني تحمل أهمية خاصة، إذ إن نجاح بغداد وأربيل في تنسيق الجهود لمواجهة المخدرات وتأمين المناطق المشتركة يمكن أن يشكل قاعدة عملية لتوسيع التعاون إلى ملفات أخرى.
وفي هذا السياق، فإن الحوار الوطني لا يعني إلغاء خصوصية إقليم كردستان أو تقليص صلاحياته الدستورية، كما لا يعني تجاوز صلاحيات الحكومة الاتحادية، بل يفترض أن يكون إطاراً لتنظيم العلاقة بين الطرفين وفق مبدأ الدستور أولاً، ومصلحة الدولة والمواطن ثانياً.
ومن شأن استمرار مثل هذه الحوارات أن يساهم في تخفيف حدة الخطاب السياسي بين بغداد وأربيل، خصوصاً إذا تحولت مخرجاتها من نقاشات عامة إلى مقترحات عملية تساعد المؤسسات التشريعية والتنفيذية على معالجة الملفات العالقة ضمن الأطر القانونية والدستورية.
والرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من الندوة هي أن الشراكة العراقية لا تُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، وإنما تحتاج إلى ثقة مؤسساتية وحوار مستمر وقواعد دستورية واضحة، بما يجعل الاختلاف بين بغداد وأربيل جزءاً من العمل السياسي الطبيعي، لا سبباً لأزمة جديدة في كل مرحلة.










