حرية – تقرير خاص – رغد بنت زيد
الصحافة العراقية أمام مفترق طرق.. إما مهنية تحميها أو فوضى المشاهدات أم الحقيقة؟.. معركة جديدة داخل الإعلام العراقي
في وقت باتت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ وتتسابق المنصات الإعلامية على نشر الأخبار قبل اكتمال تفاصيلها فتحت هيئة النزاهة الاتحادية ونقابة الصحفيين العراقيين ملفاً بالغ الأهمية يتعلق بمستقبل العمل الصحفي عبر تنظيم ندوة حوارية لمناقشة «ميثاق الشرف» الخاص بالعمل الصحفي وما يفرضه من التزامات مهنية وأخلاقية على الصحفي والمؤسسة الإعلامية.
وبدأت صباح اليوم في مقر نقابة الصحفيين العراقيين أعمال الندوة التي تنظمها هيئة النزاهة الاتحادية بالتعاون مع النقابة بهدف تعزيز المعايير المهنية والأخلاقية في ممارسة الصحافة وترسيخ مبادئ النزاهة والموضوعية والمسؤولية في التعامل مع المعلومات ونقلها إلى الرأي العام.
وشهدت الندوة حضور رئيس اتحاد الصحفيين العرب والنائب الأول لنقيب الصحفيين مؤيد اللامي ونقيب الصحفيين خالد جاسم إلى جانب أمين سر وأعضاء مجلس النقابة ومدير عام دائرة التعليم والعلاقات العامة في هيئة النزاهة الاتحادية علي قاسم حمود فضلاً عن عدد من الصحفيين والإعلاميين.
وتأتي الندوة في ظل تحولات كبيرة يشهدها المشهد الإعلامي العراقي مع اتساع نطاق المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وسرعة تداول الأخبار والمعلومات الأمر الذي وضع الصحفي والمؤسسة الإعلامية أمام مسؤولية مضاعفة في التحقق من المعلومات قبل نشرها والتمييز بين الخبر والرأي والابتعاد عن الأخبار المضللة أو غير الموثقة.
الميثاق.. حماية للمهنة قبل أن يكون التزاماً
ولا يبدو النقاش حول «ميثاق الشرف» مجرد بحث في مجموعة من القواعد المهنية بقدر ما يمثل محاولة لإعادة التأكيد على الأسس التي يفترض أن يقوم عليها العمل الصحفي وفي مقدمتها الدقة والموضوعية والاستقلالية والنزاهة واحترام حقوق الأفراد وكرامتهم.
فالصحفي الذي يمتلك حق الوصول إلى المعلومة ونقلها إلى الجمهور يتحمل في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة في التأكد من صحتها خصوصاً عندما تتعلق المعلومات بسمعة أشخاص أو مؤسسات أو بملفات سياسية وأمنية وقضائية ومالية شديدة الحساسية.
وفي زمن أصبحت فيه المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للمعلومات بالنسبة إلى شريحة واسعة من الجمهور لم يعد الخطأ الصحفي مجرد خطأ محدود الانتشار بل يمكن أن يتحول خلال دقائق إلى معلومة واسعة التداول يصعب لاحقاً محو آثارها حتى بعد تصحيحها.
ومن هنا فإن الالتزام بميثاق الشرف يمثل عاملاً أساسياً في حماية الصحفي والمؤسسة الإعلامية وفي الوقت نفسه تعزيز ثقة الجمهور بوسائل الإعلام خصوصاً مع تنامي ظاهرة الأخبار غير الدقيقة والمعلومات التي تنتشر من دون مصدر واضح أو تحقق مهني.
الإعلام في مواجهة الفساد
ويكتسب التعاون بين هيئة النزاهة ونقابة الصحفيين أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الإعلام في كشف ملفات الفساد والهدر المالي والإداري وتحويل قضايا الشأن العام إلى مواضيع للنقاش والمساءلة المجتمعية.
فالصحافة المهنية ولا سيما التحقيقات الاستقصائية تستطيع فتح ملفات قد لا تصل إلى الرأي العام بسهولة وتسليط الضوء على مكامن الخلل ومتابعة أداء مؤسسات الدولة ومنح المواطن فرصة للاطلاع على كيفية إدارة المال العام وأداء المسؤولين والجهات الحكومية.
لكن ممارسة هذا الدور الرقابي تتطلب في المقابل التزاماً صارماً بالمعايير المهنية والقانونية خصوصاً عند تناول قضايا الفساد والتحقيقات القضائية بحيث لا تتحول التغطية الإعلامية إلى إصدار أحكام مسبقة بحق المتهمين ولا تتحول الاتهامات إلى إدانات إعلامية قبل اكتمال الإجراءات القانونية والقضائية.
وهنا تظهر أهمية ميثاق الشرف بوصفه قاعدة مهنية تساعد الصحفي على تحقيق التوازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة وحق الأفراد في حماية سمعتهم وحقوقهم القانونية.
فالإعلام المهني لا يقتصر على نقل بيانات الجهات الرسمية وإنما يتطلب التحقق والمقارنة والبحث في مصادر متعددة مع منح الأطراف المعنية حق الرد والتمييز بوضوح بين الوقائع المؤكدة والتحليلات والاستنتاجات.
السبق الصحفي أمام اختبار الدقة
ومن أبرز التحديات التي تواجه الصحافة اليوم السباق المحموم نحو نشر الخبر أولاً وهو سباق قد يدفع أحياناً إلى تجاوز مرحلة التحقق من المعلومات بحثاً عن سرعة الانتشار.
ولم تعد المنافسة بين المؤسسات الإعلامية قائمة فقط على من يصل إلى الحدث أولاً وإنما أصبحت أيضاً اختباراً للمصداقية: من يستطيع أن يقدم المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وبأقل قدر ممكن من الأخطاء؟
فالخبر الذي ينشر بسرعة لكنه يفتقر إلى الدقة قد يفقد المؤسسة الإعلامية ثقة جمهورها بينما يبقى الخبر الموثوق أكثر تأثيراً واستدامة حتى لو لم يكن الأول في الوصول إلى الجمهور.
ومن هنا فإن الصحفي المهني لا ينبغي أن يكون أسيراً للسبق على حساب الحقيقة لأن قيمة العمل الصحفي لا تقاس بعدد المشاهدات وسرعة النشر فقط وإنما بمدى قدرة المؤسسة على تقديم معلومات موثوقة يمكن للجمهور الاعتماد عليها.
التحدي الرقمي ومسؤولية الصحفي
وتفرض البيئة الإعلامية الجديدة تحديات إضافية أمام الصحفي العراقي إذ أصبحت الأخبار تنتشر خلال دقائق وأحياناً قبل اكتمال المعلومات المتعلقة بالحدث فيما تنتشر الصور والمقاطع والمعلومات المجتزأة من سياقها بصورة واسعة.
كما أن انتشار المحتوى المجهول والمعلومات المضللة يجعل من التحقق من المصادر جزءاً أساسياً من العمل الصحفي وليس خطوة ثانوية يمكن تجاوزها بحثاً عن السبق.
وفي هذا السياق لا ينبغي النظر إلى ميثاق الشرف باعتباره مجموعة من القيود على الصحفي بل بوصفه ضمانة للمهنة وحماية لسمعة الصحفي والمؤسسة الإعلامية فضلاً عن كونه وسيلة للحفاظ على حق المواطن في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
بين حرية الصحافة والمسؤولية
وتعيد الندوة كذلك طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الإعلامي وهي العلاقة بين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية.
فالحرية الصحفية تمثل ركناً أساسياً في أي مجتمع ديمقراطي لكنها لا تعني تجاوز حقوق الآخرين أو نشر معلومات غير مؤكدة أو تحويل المنبر الإعلامي إلى وسيلة للتشهير أو الابتزاز أو تصفية الحسابات.
وفي المقابل فإن الحديث عن المسؤولية المهنية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتقييد الصحفي أو منعه من ممارسة دوره الرقابي بل يجب أن يكون الهدف هو حماية الصحافة من الممارسات التي تسيء إلى سمعتها وتضعف ثقة الجمهور بها.
والمعادلة هنا تبدو واضحة: حرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى فوضى ومسؤولية بلا حرية قد تتحول إلى تقييد للإعلام فيما المطلوب هو الوصول إلى مساحة متوازنة تحمي حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات والتعبير وتحمي في الوقت ذاته حقوق المجتمع والأفراد.
مسؤولية تبدأ من المؤسسة الإعلامية
ولا تقع مسؤولية الالتزام بميثاق الشرف على الصحفي وحده إذ تتحمل المؤسسة الإعلامية جانباً أساسياً من هذه المسؤولية من خلال وضع قواعد واضحة للنشر وتدقيق المعلومات وتصحيح الأخطاء وحماية الصحفي من الضغوط التي قد تدفعه إلى مخالفة المعايير المهنية.
كما أن بناء إعلام مهني يتطلب تعزيز قدرات الصحفيين في مجالات التحقق من المعلومات والبحث الاستقصائي والتعامل مع المصادر وفهم القوانين ذات الصلة بالنشر خصوصاً عند تغطية الملفات القضائية والفساد والمال العام.
فالمؤسسة الإعلامية التي تطالب صحفيها بالمهنية مطالبة في المقابل بتوفير بيئة تساعده على الالتزام بها وعدم تحويل المنافسة على المشاهدات والانتشار إلى مبرر لتجاوز قواعد العمل الصحفي.
شراكة بين الإعلام والمؤسسات الرقابية
وتعكس الندوة المشتركة بين هيئة النزاهة الاتحادية ونقابة الصحفيين أهمية بناء شراكة مهنية بين المؤسسات الرقابية والإعلامية تقوم على تعزيز الشفافية وتسهيل الوصول إلى المعلومات ودعم الصحفيين في أداء دورهم الرقابي مع التأكيد على احترام القوانين والضوابط المهنية.
فالصحافة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى الأخباروإنما أيضاً بقدرتها على تقديم المعلومات بصورة مسؤولة ومتوازنة بعيداً عن التضليل والتشهير والتوظيف السياسي.
وفي هذا الإطار يمكن للتعاون بين الجهات الرقابية والمؤسسات الصحفية أن يفتح مساحة أوسع أمام الإعلام للوصول إلى المعلومات المتعلقة بملفات الفساد والمال العام بما يرفع مستوى التغطية الصحفية ويجعلها أكثر اعتماداً على الوثائق والحقائق بدلاً من الشائعات والمعلومات غير الموثقة.
خطوة نحو استعادة الثقة
وتأتي الندوة في توقيت تحتاج فيه الصحافة العراقية إلى تعزيز ثقة الجمهور في ظل المنافسة الشديدة بين وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية وتزايد المحتوى الذي ينتشر من دون مصدر واضح.
ومن هنا فإن «ميثاق الشرف» يمكن أن يشكل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات داخل العمل الإعلامي بحيث تصبح المهنية والدقة والتحقق من المعلومات معياراً أساسياً لا مجرد شعارات ترفع في المناسبات.
فالصحافة التي تكشف الفساد وتراقب أداء المؤسسات وتمنح المواطن حقه في المعرفة تحتاج في الوقت نفسه إلى حماية نفسها من الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة والتشهير غير المسؤول.
كما أن استعادة ثقة الجمهور لا تتحقق عبر الحملات الإعلامية وإنما من خلال تراكم الممارسة المهنية الصحيحة فكل خبر دقيق وكل معلومة موثقة وكل خطأ يتم تصحيحه بشفافية يسهم في بناء علاقة أكثر ثقة بين الصحافة والمجتمع.
الميثاق أمام الاختبار الحقيقي
وفي المحصلة فإن النقاش حول «ميثاق الشرف» لا يتعلق فقط بكيفية كتابة الخبر أو نشره وإنما بالسؤال الأوسع: أي إعلام يريد العراق؟
إعلام يلاحق المشاهدات والانتشار مهما كانت الوسيلة أم إعلام يحافظ على مهنته ويضع الحقيقة في مقدمة أولوياته؟
وبين الخيارين تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً إلى صحافة تمتلك الجرأة في كشف الخلل والفساد لكنها لا تتخلى عن الدقة؛ وتدافع عن حرية التعبير لكنها تحترم القانون؛ وتراقب أداء السلطة والمؤسسات لكنها لا تتحول إلى أداة بيد أي طرف.
ومن هذا المنطلق فإن قيمة «ميثاق الشرف» لن تقاس بما يخرج من قاعات الندوات وإنما بقدرته على الانتقال إلى غرف الأخبار وإلى طريقة تعامل الصحفي مع المعلومة وإلى علاقة المؤسسة الإعلامية بجمهورها.
فالرهان الحقيقي ليس على ميثاق يُكتب وإنما على ثقافة مهنية تُمارس تجعل النزاهة والدقة والموضوعية واحترام الحقيقة أساساً للعمل الصحفي وتعيد للإعلام دوره بوصفه عيناً على المجتمع وصوتاً للمواطن وأداة فاعلة في تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
وفي النهاية فإن الصحافة لا تفقد قوتها عندما تلتزم بالأخلاق المهنية بل على العكس؛ تزداد قوة عندما تصبح الحقيقة خطاً أحمر ويصبح ميثاق الشرف ممارسة يومية لا وثيقة تحفظ في الأدراج.












