حرية
تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادي المتبادل، مع استعداد واشنطن للإعلان، الاثنين، عن حزمة عقوبات جديدة وصفتها الإدارة الأميركية بأنها من «أقسى العقوبات في التاريخ»، في وقت ترد فيه طهران برسائل تحدٍ سياسية وعسكرية، بينما يواصل مضيق هرمز التحول إلى أبرز نقطة اختناق في أزمة الطاقة العالمية.
ويأتي التصعيد قبيل مرور نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب، في ظل غياب المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين حالياً، مقابل استمرار حرب الرسائل والضغوط. وبينما تتمسك واشنطن باستخدام العقوبات لإضعاف الاقتصاد الإيراني، تصر طهران على الاحتفاظ بنفوذها على حركة الملاحة في المضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
الصين في قلب العقوبات الأميركية
ومن المتوقع أن يكشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، تفاصيل العقوبات الجديدة، وسط تحذيرات أميركية للدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران.
وتبرز الصين باعتبارها الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات هذه السياسة، في ظل اعتمادها الكبير على النفط الإيراني. ووفق البيانات الواردة في التقرير، تستحوذ الصين على أكثر من 80 بالمئة من شحنات النفط الإيراني، ما يجعل أي عقوبات ثانوية تستهدف المشترين المحتملين قادرة على التأثير في العلاقة الاقتصادية بين بكين وطهران.
وهنا تتحول العقوبات من أداة تستهدف إيران مباشرة إلى وسيلة ضغط على شبكة الشركاء التجاريين لطهران، الأمر الذي قد يفتح جبهة اقتصادية جديدة بين واشنطن وبكين، خصوصاً إذا قررت الولايات المتحدة معاقبة مؤسسات وشركات صينية تتعامل مع النفط الإيراني.
في المقابل، رفضت طهران التهديدات الأميركية، واعتبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن العقوبات الثانوية تمثل محاولة لفرض النفوذ الأميركي خارج الحدود، مؤكداً أن بلاده لا تعتبرها مستندة إلى القانون الدولي.
هرمز.. الورقة الأخطر
لكن العامل الأكثر حساسية في الأزمة يبقى مضيق هرمز.
فانخفاض حركة السفن عبر المضيق إلى مستويات متدنية للغاية يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وبحسب البيانات الواردة في التقرير، عبرت أربع سفن شحن فقط المضيق يوم الخميس، ولم تكن بينها ناقلات نفط خام كبيرة أو ناقلات غاز طبيعي مسال.
وإذا استمرت هذه الحالة، فإن تداعياتها لن تبقى محصورة في إيران أو دول الخليج، بل ستنعكس على أسعار النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية، لأن أي قيود طويلة الأمد على هرمز تعني عملياً إعادة رسم خريطة إمدادات الطاقة.
واشنطن تضغط.. وطهران تملك أدوات الرد
أدت الضربات الأميركية، بحسب الرواية الواردة في التقرير، إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتكبيد الاقتصاد الإيراني خسائر كبيرة، إلا أن طهران لا تزال تمتلك وسائل قادرة على تهديد الملاحة، خصوصاً الصواريخ والطائرات المسيرة.
وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة: إضعاف إيران عسكرياً لا يعني بالضرورة القدرة على ضمان حرية الملاحة بشكل مستدام.
فالسيطرة العسكرية على المجال الإقليمي لا تلغي قدرة طرف أقل قوة على رفع تكلفة النقل والطاقة من خلال التهديد المستمر للسفن، وهو ما يجعل ملف هرمز أكثر تعقيداً من مجرد معادلة عسكرية.
الاقتصاد.. نقطة ضعف إيران
في المقابل، بدأت الضغوط الاقتصادية تتحول إلى ملف أكثر حضوراً في الخطاب الإيراني نفسه.
ويكتسب تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أهمية خاصة عندما أقر بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن استمرار الدولة يحتاج إلى اقتصاد قادر على تأمين دورة مالية وإنتاج ونمو.
وهذه الرسالة تكشف أن المعركة لم تعد تدور فقط حول الصواريخ والقدرات العسكرية، بل حول قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل حرب طويلة وعقوبات أكثر تشدداً وانقطاع جزء كبير من عائدات النفط.
وفي هذا السياق، يبدو دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى إنهاء الحرب والعودة إلى المسار الدبلوماسي محاولة لفتح نافذة تفاوضية، في وقت تواصل فيه المؤسسة العسكرية الإيرانية إطلاق تهديدات برد «ساحق» على أي تصعيد جديد.
ترامب أمام معادلة مختلفة
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيواجه بدوره اختباراً لنتائج الحرب والأهداف التي أعلنتها واشنطن في بدايتها، خصوصاً ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل النظام السياسي في طهران.
فاستمرار الغموض بشأن البرنامج النووي، بالتزامن مع صعوبة إعادة الملاحة في هرمز إلى مستوياتها الطبيعية، يعني أن الحسم العسكري لم يتحول حتى الآن إلى تسوية سياسية شاملة.
ومن هنا تبدو العقوبات الجديدة محاولة لتعويض جزء من هذا التعقيد عبر نقل مركز الثقل من الجبهة العسكرية إلى الاقتصاد، مع توسيع دائرة الضغط لتشمل الدول والشركات التي تمنح إيران متنفساً تجارياً.
العراق أمام ارتدادات مباشرة
وبالنسبة للعراق، فإن هذه التطورات تحمل مخاطر مضاعفة، ليس فقط بسبب قربه الجغرافي من إيران، وإنما بسبب ارتباط اقتصاده بتجارة الطاقة وحركة الملاحة وأسعار النفط.
فاستمرار اضطراب هرمز يضع صادرات النفط العراقية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الصادرات يمر عبر الموانئ الجنوبية، ما يجعل تنويع طرق التصدير إلى تركيا وسوريا والأردن والبحر المتوسط أكثر من مجرد مشروع اقتصادي طويل الأمد، بل تحولاً إلى ضرورة مرتبطة بالأمن الاقتصادي والسيادي للعراق.
كما أن أي عقوبات أميركية ثانوية واسعة على المتعاملين مع إيران قد تضع بغداد أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع طهران وتجنب التعرض لعقوبات أو قيود أميركية.
المواجهة الحالية تدخل مرحلة يصبح فيها الاقتصاد ساحة المعركة الرئيسية. واشنطن تراهن على العقوبات والخنق المالي، وطهران تراهن على أوراق الطاقة والملاحة والقدرة على رفع كلفة المواجهة. وبين الطرفين يبقى مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية، لأن استمرار إغلاقه أو اضطرابه لن يضغط على إيران وحدها، بل سيضع الاقتصاد العالمي بأكمله أمام فاتورة متصاعدة.







