حرية
صعّدت وزارة الحرب الأميركية إجراءاتها لحماية الأبحاث الممولة حكومياً، مطالبة 30 مؤسسة أكاديمية بإجراء تدقيق أمني على الجهات الأجنبية التي تتعاون معها، في خطوة تعكس تشدد واشنطن المتزايد تجاه الشراكات البحثية العابرة للحدود، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالدفاع والتكنولوجيا المتقدمة.
وأكدت الوزارة أن حماية الاستثمارات البحثية الأميركية من الاستغلال الأجنبي أصبحت أولوية أمنية، محذرة من أن الشراكات الأكاديمية التي قد تعرض الأمن القومي للخطر لن تكون مقبولة.
الأبحاث تتحول إلى ملف أمني
لا يبدو القرار منفصلاً عن تحول أوسع في السياسة الأميركية، إذ باتت الجامعات ومراكز الأبحاث جزءاً من منظومة الأمن القومي، بعدما أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والبيانات عناصر أساسية في المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى.
وتتعامل واشنطن بصورة متزايدة مع بعض الأبحاث الجامعية باعتبارها ذات استخدام مزدوج، أي أنها يمكن أن تخدم الأغراض المدنية والعسكرية في الوقت نفسه، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والفضاء، والطاقة، والاتصالات.
ومن هنا يأتي التدقيق في الجهات الأجنبية التي تتعامل معها المؤسسات الأميركية، ليس فقط لمنع نقل التكنولوجيا، وإنما أيضاً للتأكد من عدم استخدام التمويل الأميركي في تطوير قدرات يمكن أن تتحول لاحقاً إلى أدوات عسكرية أو استخبارية.
الصين وروسيا وإيران في دائرة الاستهداف
وكانت وزارة الحرب الأميركية قد وسعت في تموز الماضي قائمة المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأجنبية المحظورة من الحصول على تمويل أميركي مخصص للأبحاث والتطوير العسكري، لتشمل نحو 130 مؤسسة في الصين وروسيا وإيران.
وتقول الوزارة إن هذه المؤسسات قد تشارك في أنشطة تزيد احتمالية إساءة استخدام الأبحاث الممولة من الحكومة الأميركية، بما يمثل، وفق تقييمها، خطراً على الأمن القومي وعلى نزاهة منظومة البحث العلمي.
وهذا التطور يكشف أن المنافسة بين واشنطن وبكين وموسكو وطهران لم تعد محصورة في المجالات العسكرية التقليدية، وإنما انتقلت بصورة واضحة إلى المختبرات والجامعات ومراكز الابتكار.
من حماية الأسرار إلى إعادة رسم التعاون العلمي
الجانب الأكثر حساسية في هذه السياسة هو أنها قد تعيد رسم خريطة التعاون العلمي الدولي.
فالجامعات الأميركية تعتمد تاريخياً على شراكات دولية واسعة، وتبادل الباحثين والطلاب، والمشاريع المشتركة، والمؤتمرات العلمية، وتبادل البيانات والمعدات.
لكن عندما يصبح الشريك الأجنبي موضع تدقيق أمني، فإن الباحث الأميركي قد يجد نفسه مضطراً إلى تقييم العلاقة ليس وفق معايير علمية فقط، وإنما وفق اعتبارات تتعلق بالجنسية والتمويل والارتباطات المؤسسية وطبيعة التكنولوجيا المستخدمة.
وهذا قد يؤدي إلى نشوء حدود أمنية جديدة داخل المجتمع العلمي، بحيث تصبح بعض المجالات البحثية مغلقة أو مقيدة أمام التعاون مع مؤسسات من دول تعتبرها واشنطن منافسة أو خصماً استراتيجياً.
قاعدة بيانات لمخاطر الأبحاث
وتتجه واشنطن إلى تعزيز هذه المنظومة من خلال إنشاء قاعدة بيانات لإدارة مخاطر الأبحاث الممولة من وزارة الدفاع، بما يسمح بتتبع الشراكات والجهات الخارجية المرتبطة بالمشاريع البحثية.
وهذا يعني أن القرار الحالي قد لا يكون مجرد حملة تدقيق مؤقتة، بل جزءاً من بناء نظام دائم لتقييم المخاطر المرتبطة بالتعاون الأكاديمي الدولي.
الرسالة الأميركية واضحة: المعرفة التي تمولها الدولة لم تعد تُعامل باعتبارها ملفاً أكاديمياً محضاً عندما تكون قابلة للتحول إلى قدرة استراتيجية.
فالولايات المتحدة تحاول منع منافسيها من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة عبر بوابة الجامعات، بعدما أصبح التفوق في الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة والفضاء والعلوم التطبيقية جزءاً من ميزان القوى العالمي.
لكن السياسة تحمل في المقابل مخاطرة تتمثل في إمكانية تحويل الجامعات إلى بيئة أكثر انغلاقاً، وتقليص التعاون العلمي الدولي، وإدخال اعتبارات الأمن القومي في مجالات كانت تقوم أساساً على الانفتاح وتبادل المعرفة.
وبذلك تبدو المعركة المقبلة بين واشنطن ومنافسيها معركة على المختبر قبل أن تكون معركة على ساحة القتال؛ فمن يمتلك التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على تطويرها سيمتلك جزءاً أساسياً من القوة الاقتصادية والعسكرية في العقود المقبلة.







