رفيق خوري
ومن الصعب معرفة الحقيقة حول حديث ترمب عن “الانقسام الحاد” بين البراغماتيين والمتشددين في إيران والذي يمنع التفاهم على موقف موحد. فهل الانقسام واقع أم أنه شعار ترميه طهران في السوق لإلهاء أميركا وكسب الوقت إلى أن يضجر ترمب من الحرب والتفاوض ويسلم للملالي باتفاق يشبه اتفاق أوباما الذي ألغاه ترمب بعيد وصوله إلى البيت الأبيض؟ وهل صحيح أن قائد “الحرس الثوري” أحمد وحيدي هو الذي يعرقل المفاوضات؟ وبماذا يختلف رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي في المواقف المعلنة عن مواقف المتشددين؟ وماذا عن اللغز حول حال المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي لم يظهر ولا أحد يستطيع أن يراه، ولا أن يعرف إن كان هو من يبعث بالرسائل أم أن هناك من يدبج هذه الرسائل التي تحمل الأوامر والتعليمات؟
مهما يكن، فإن آخر ما يهتم له نظام الملالي هو الضغوط الداخلية والتي هي أول ما يهم ترمب. وما يسمعه من مستشاريه ومن الخارج يبدو في اتجاهين: واحد يضغط للخروج من الحرب بتسوية ما وإن جاءت ضعيفة. وآخر يضغط لإكمال الحرب والسير فيها إلى النهاية حتى الحسم العسكري من دون خوف على الانتخابات النصفية، لأن النصر في الميدان يكفل له الربح في انتخابات الكونغرس. وهذا موقف نتنياهو.
لكن ما يقرر الموقف في آخر النهار هو غريزة ترمب وغرامه بالصفقات.
والمشكلة التي تستعصي على الحل هي الحرب والتفاوض بين “حكم إلهي” و”رئاسة إمبراطورية” حسب تعبير آرثر شليسنجر.
أمیركا وإيران في ورطة كبيرة قادتهما إليها الحرب الأميركية – الإسرائيلية ومواجهة طهران وأذرعها لها. قبل الحرب كانت “الجمهورية الإسلامية” عشية تغيير مقبل كما رأى المتخصص الأميركي الإيراني الأصل کريم سادجادبور. والسؤال المركزي المطروح في “خريف آية الله خامنئي هو إن كان النظام الثيوقراطي سيثبت أو يتحول أو ينفجر من الداخل، وأي نظام سياسي يمكن أن يتبلور؟”.
وقبل حرب الـ12 يوماً في الصيف الماضي كان رأي داليا داسا وسنام وكيل في مقالة نشرتها “فورين أفيرز”، هو أن “انتظار الولايات المتحدة لتأخذ الدور القيادي في تدبير غزة وتقديم سلام في الشرق الأوسط يشبه انتظار غودو”. لكن الرئيس دونالد ترمب قرر التورط في تدبير غزة وتقديم سلام في الشرق الأوسط على أساس أن ولايته الثانية هي فرصة لكي تستخدم أميركا “القوة الخشنة” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فكانت حرب إيران خلافاً لنصيحة المتخصص الاستراتيجي البريطاني المخضرم لورنس فریدمان وهي “إن أفضل درس لأميركا من حروبها هو أن تتفادى الوقوع فيها”.
وها هو اليوم مع إيران في ورطة حرب وتفاوض. أما ورطة الحرب، فإنها تبادل أميركا وإيران التهديد باستخدام أقصى التدمير في معاودة حرب لا تريدانها. وأما ورطة التفاوض الذي كان بوساطة عمان قبل الحرب، وصار بوساطة باكستان بعدها، فإنها صعوبة الاتفاق على سيناريو للخروج من الحرب. فليس لدى إدارة ترمب استراتيجية خروج واقعية. ولا لدى جمهورية الملالي استراتيجية خروج قابلة للتحقيق.
أميركا وضعت سقوط النظام كهدف تريد مع تحقيقه وقف الحرب، ثم بدأت خفض السقف في الأهداف من دون التوصل إلى حسم عسكري يُترجم إلى حسم استراتيجي ومكاسب سياسية. وطهران التي بدت مستعدة لمواجهة الحرب تصورت أنها تستطيع الانتقال من صمود النظام إلى الحفاظ على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع المسلحة في المنطقة المرتبطة بالحرس الثوري، بالتالي تسجيل “انتصار” على “الشيطان الأكبر” و”الشيطان الأصغر”. لكن ما تصطدم به في المفاوضات هو إصرار ترمب على ثمن النصر من دون أن يكمل الحرب، إذ يطلب إنهاء الملف النووي والحصول على 420 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وتحديد مدى الصواريخ وتسريح الأذرع الإيرانية المسلحة في المنطقة.
وفي لعبة عض الأصابع توحي طهران أنها أكثر قدرة من ترمب على الصمود في ما تسمى حرب “الضرب على الجيوب”. ففي أميركا معارضة ديمقراطية قوية وغضب شعبي بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز وتذاكر السفر والأغذية وسواها، وضغوط دولية هائلة من أوروبا والهند والصين بعد إغلاق مضيق هرمز.
وأمام ترمب ثلاثة مواعيد ضاغطة، زيارته المؤجلة إلى الصين خلال مايو (أيار) المقبل، والمونديال في بلاده خلال يونيو (حزيران) المقبل، والانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف. وأكثر ما يقلقه هو خسارة حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية. وفي العادة يخسرها حزب الرئيس الجديد، فكيف بعد السخط الشعبي بسبب الحرب؟
أما في إيران، فالحسابات تختلف. هي تعلمت الدرس الأول من الإمام الخميني الذي قال لأساتذة الاقتصاد الشاكين من غلاء الأسعار “هذه الثورة ليست من أجل سعر البطيخ”. وهي تحملت ولا تزال عقوبات أميركية وأوروبية قاسية منذ بدايات جمهورية الملالي، وتحملت عقوبات مجلس الأمن الدولي بسبب البرنامج النووي. والأولوية القصوى هي للحفاظ على النظام بوصفه “واجب الواجبات”، بحسب الخميني. وفي الأنظمة السلطوية القمعية مثل النظام الإسلامي في إیران، فإن الشعب مجبر على تحمل الضيق. وإذا شكا أو تظاهر فإن المحاكمات حاضرة، ومن يتحدى الباسدران والباسيج، فإن أرحم عقاب له هو المكوث في “سجن إيفين” الرهيب. حتى الخسائر البشرية والمادية والعسكرية في الحرب، فإنها في نظر النظام “تضحيات” لا بد منها “من أجل الثورة” ومقاومة “الطاغوت” الأميركي.






