حرية
أعاد طلب النائب حيدر المطيري إلى الواجهة ملفاً مالياً بالغ الحساسية، بعد كشفه عن عدم تسديد شركات عامة وإدارات ممولة ذاتياً مبالغ مستحقة للخزينة العامة بلغت 26 تريليوناً و435 ملياراً و661 مليون دينار حتى نهاية عام 2025، وفق ما أورده مستنداً إلى تقرير ديوان الرقابة المالية.
المسألة لا تتعلق بمجرد تأخر إداري في تحويل الإيرادات، بل تطرح سؤالاً أكبر بشأن مدى انضباط المال العام وآليات الرقابة على المؤسسات الحكومية التي تحقق إيرادات وأرباحاً خارج الموازنة المركزية.
وبحسب كتاب المطيري الموجه إلى وزارة المالية، فإن هناك مبالغ تعود إلى سنوات سابقة لم تُسدّد حصة الخزينة منها، مطالباً الوزارة ببيان أسباب عدم مطالبة تلك الشركات والإدارات بتسديد الأموال المستحقة، ومتابعة الملف ومفاتحة هيئة النزاهة الاتحادية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المقصرين.
26.4 تريليون دينار.. رقم يتجاوز التأخير المالي
حجم المبلغ يجعل القضية تتجاوز كونها حسابات متأخرة أو التزامات لم تُحسم في نهاية السنة المالية.
فـ26.4 تريليون دينار تمثل كتلة مالية كبيرة كان يفترض أن تدخل ضمن موارد الدولة، خصوصاً في ظل اعتماد العراق بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، وحاجته المستمرة إلى تنمية الإيرادات غير النفطية وضبط موارد المؤسسات الحكومية.
والأخطر أن تراكم هذه الأموال لسنوات، بحسب ما ورد في الطلب النيابي، يثير تساؤلات عن طبيعة الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية خلال الفترات الماضية، وعن الجهات المسؤولة عن متابعة التحصيل والتسوية المالية.
أين كانت الرقابة؟
جوهر القضية لا يكمن فقط في معرفة من لم يدفع؟ وإنما أيضاً في معرفة لماذا لم تتم المطالبة؟ ومن كان مسؤولاً عن المتابعة؟
فإذا كانت المبالغ مثبتة في السجلات الرسمية باعتبارها مستحقات للخزينة، فإن استمرار عدم تسديدها يستوجب تحديد المسؤوليات الإدارية والمالية بدقة، خصوصاً إذا كان التأخير قد استمر لسنوات.
أما إذا كانت هناك خلافات محاسبية أو قانونية تحول دون التحويل، فينبغي إعلانها ومعالجتها بصورة واضحة، حتى لا تتحول المستحقات الحكومية إلى أموال معلقة بلا سقف زمني.
المال العام أمام اختبار جديد
القضية تكشف جانباً آخر من أزمة الإدارة المالية في العراق، يتمثل في تعدد قنوات الإيرادات وتشتت المسؤولية بين المؤسسات الحكومية.
فالشركات العامة والإدارات الممولة ذاتياً تمتلك مواردها ونشاطاتها المالية، لكن استقلالها الإداري والمالي لا يعني استقلالها عن الخزينة العامة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
ومن هنا فإن أي مبالغ مستحقة للدولة ينبغي أن تخضع لمنظومة واضحة تبدأ من احتساب الإيراد، مروراً بتحديد حصة الخزينة، وصولاً إلى التحويل والمطابقة والتدقيق.
هل تتحول القضية إلى ملف نزاهة؟
مطالبة النائب بمفاتحة هيئة النزاهة تحمل دلالة مهمة، لكنها لا تعني تلقائياً وجود جريمة فساد في جميع المبالغ غير المسددة؛ فذلك يحتاج إلى تحقيق وتدقيق وتحديد المسؤوليات.
لكن إذا أثبتت التحقيقات وجود تعمد في حجب الأموال أو التلاعب بالسجلات أو تعطيل التحويلات أو الانتفاع غير المشروع من الأموال العامة، فإن القضية تنتقل من نطاق الخلل الإداري إلى نطاق المسؤولية القانونية.
وهنا تبرز أهمية أن لا يقتصر التعامل مع الملف على مطالبة مالية جديدة، بل أن يترافق مع تدقيق شامل، وتحديد الجهات المدينة، وتاريخ الاستحقاق، وأسباب عدم التسديد، والمسؤولين عن تعطيل التحصيل.
أربعة أشهر من الرواتب.. لكن المشكلة أكبر
وأشار المطيري إلى أن المبلغ يكفي لتغطية رواتب أربعة أشهر، وهي مقارنة تكشف حجم الأموال محل النقاش، لكنها في الوقت نفسه تضع القضية في إطار أوسع: العراق لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل أيضاً من مشكلة في تحصيل وإدارة الموارد الموجودة أصلاً.
فكل دينار لا يدخل الخزينة في موعده يعني ضغطاً إضافياً على الموازنة، وقد يدفع الدولة إلى البحث عن الاقتراض أو تقليص الإنفاق أو تأجيل المشاريع، في وقت توجد فيه أموال مستحقة لدى مؤسسات حكومية.
ملف الـ26.4 تريليون دينار يحتاج إلى إجابة رسمية دقيقة لا تكتفي بتأكيد الأرقام، بل تكشف مسارها بالكامل: من هي الجهات التي تحتفظ بها؟ منذ متى؟ لماذا لم تسدد؟ ومن المسؤول عن التأخير؟
وفي دولة تبحث عن تنويع مواردها وتقليل اعتمادها على النفط، فإن ضبط إيرادات الشركات العامة والإدارات الممولة ذاتياً يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الإصلاح المالي.
المشكلة ليست فقط في البحث عن إيرادات جديدة، بل في ضمان وصول الإيرادات الموجودة أصلاً إلى خزينة الدولة.








