حرية
أقرت الحكومة الموريتانية آلية انتقالية جديدة لتنظيم تسويق الذهب الناتج عن التعدين التقليدي والاستغلال المنجمي الصغير، في خطوة تستهدف إحكام الرقابة على واحد من أهم الأنشطة التعدينية في البلاد، ورفع قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها من هذا القطاع.
وبحسب بيان مجلس الوزراء، تهدف الآلية إلى إنشاء مسار مركزي ومنظم لتسويق الذهب المنتج محلياً، إلى حين دخول المكاتب التجارية المنصوص عليها في القانون حيز العمل.
وتفرض الإجراءات الجديدة التصريح المسبق بالإنتاج وتسجيل بيانات الذهب ضمن نظام لتتبع مصدره وكمياته وجودته ووجهته النهائية، فيما تُحصر عمليات جمع الذهب ووزنه وتصديقه وبيعه في مراكز معالجة معتمدة، تخضع لإجراءات أمنية ورقابة بالكاميرات.
كما أقرت الحكومة رسماً بنسبة 3% على المتعاملين عند تصدير الذهب، مع إخضاع إنتاج الاستغلال المنجمي الصغير للقنوات الرسمية وتطبيق الضرائب والحقوق وفق التشريعات النافذة.
وتسعى نواكشوط من خلال هذه الإجراءات إلى تقليص عمليات بيع الذهب خارج القنوات الرسمية، ومنع تسرب جزء من الإنتاج إلى الأسواق غير المنظمة، فضلاً عن ضمان إعادة عائدات الصادرات إلى البلاد بالعملة الصعبة.
وتمنح الآلية المتعاملين هامشاً في اختيار العملاء وطرق تصديق الذهب المعترف بها، في محاولة للموازنة بين تشديد الرقابة الحكومية والحفاظ على مرونة النشاط التجاري.
لا تبدو الخطوة الموريتانية مجرد إجراء ضريبي لفرض نسبة 3% على صادرات الذهب، بل تمثل محاولة لإعادة إدخال قطاع واسع من الاقتصاد غير الرسمي إلى منظومة الدولة.
فالمشكلة الأساسية في التعدين التقليدي ليست حجم الإنتاج فقط، وإنما قدرة الحكومة على معرفة كمية الذهب المستخرجة، ومن يملكها، وأين يتم بيعها، وما الذي يدخل فعلياً إلى النظام المالي الرسمي. ولذلك فإن نظام التتبع والتسجيل قد يكون أكثر أهمية من الرسم نفسه.
ومن زاوية مالية، فإن فرض الـ3% يفتح أمام الدولة مورداً إضافياً، لكن العائد الحقيقي قد يكون أكبر إذا نجحت الحكومة في تقليص التهريب والتسويق خارج النظام الرسمي. فكل كمية تدخل القنوات الرسمية تعني إمكانية تحصيل رسوم وضرائب أخرى، إضافة إلى دخول عائدات التصدير إلى النظام المصرفي.
وفي المقابل، تحمل الإجراءات مخاطرة محتملة إذا أصبحت الرقابة مكلفة أو معقدة إلى درجة تدفع المتعاملين إلى البحث عن قنوات بديلة. فالتعدين التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على صغار المنتجين والوسطاء، وبالتالي فإن نجاح النظام يتطلب أن تكون القنوات الرسمية أسرع وأكثر شفافية وأقل كلفة من السوق غير الرسمية.
كما أن كون الآلية انتقالية يكشف أن الحكومة لا تزال في مرحلة إعادة بناء الإطار المؤسسي للقطاع. فالاختبار الحقيقي سيكون عند تشغيل المكاتب التجارية الدائمة، وما إذا كانت قادرة على تحويل هذه الإجراءات المؤقتة إلى منظومة مستقرة لتجارة الذهب.
وبالتالي، فإن موريتانيا تراهن على معادلة واضحة: ذهب أكثر انضباطاً يعني إيرادات أكثر للدولة، وتهريباً أقل، واحتياطيات أكبر من العملة الصعبة. لكن تحقيق هذه المعادلة يتوقف على قدرة الحكومة على فرض الرقابة دون خنق النشاط التقليدي الذي يشكل مصدراً مهماً للدخل وفرص العمل.
والأهم أن الخطوة قد تمثل بداية تحول الذهب من نشاط يغلب عليه الطابع الفردي وغير الرسمي إلى قطاع اقتصادي أكثر قابلية للقياس والرقابة والاستثمار، وهو ما يمنح الدولة قدرة أكبر على معرفة القيمة الحقيقية لثروتها الذهبية بدلاً من الاكتفاء بتقديرات الإنتاج المتداولة.







