حرية
أحرز العراق تقدماً مهماً في مسار انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية، بعد أن تمكنت وزارة التجارة من إنجاز مراحل تفاوضية رئيسة وحسم الإجابات عن 175 سؤالاً مقدماً من الدول الأعضاء، في خطوة تعكس انتقال ملف الانضمام من مرحلة الإعداد إلى مرحلة أكثر تقدماً من التفاوض المباشر.
وقال المتحدث باسم وزارة التجارة محمد حنون إن وفد الوزارة أجرى خلال زيارته إلى مقر المنظمة في جنيف خلال تموز الماضي سلسلة مباحثات مع مسؤولي المنظمة والسكرتارية ورئيس فريق العمل الخاص بانضمام العراق، إلى جانب ممثلي عدد من الدول الأعضاء.
وتمكن الوفد، خلال الزيارة التي استمرت أسبوعاً، من استكمال ملفات السلع والخدمات، فضلاً عن ملفات مذكرة نظام التجارة الخارجية والزراعة والحواجز الفنية أمام التجارة وتدابير الصحة والصحة النباتية، إلى جانب ملفات تفاوضية أخرى.
خطوة تتجاوز الإجراءات الشكلية
الأهمية الفعلية للتطور الأخير لا تكمن في مجرد إنجاز إجابات أو عقد اجتماعات، وإنما في أن الملفات التي قدمها العراق اعتمدت وعممت ونشرت رسمياً على موقع منظمة التجارة العالمية، لتدخل بذلك مرحلة المراجعة من جانب الدول الأعضاء وفتح مسارات التفاوض معها.
وهذا يعني أن العراق بات أمام اختبار أكثر جدية، يتمثل في مدى قدرته على مواءمة منظومته التجارية والاقتصادية والتشريعية مع قواعد المنظمة، خصوصاً في ما يتعلق بتحرير تجارة السلع والخدمات، وتسهيل الاستثمار، والرسوم والإجراءات الحدودية، والدعم الحكومي، والمواصفات الفنية والصحية.
لماذا يمثل الانضمام أهمية للعراق؟
يمثل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية فرصة لإعادة تنظيم البيئة التجارية العراقية وفق قواعد دولية أكثر وضوحاً، ويمكن أن يساعد في توسيع الأسواق أمام المنتجات العراقية، وتحسين فرص جذب الاستثمارات، وتعزيز المنافسة، وتطوير القطاع الخاص.
لكن الانضمام لا يعني تلقائياً تحقيق هذه النتائج؛ إذ إن الاستفادة الحقيقية منه ستتوقف على قدرة العراق على تطوير الإنتاج المحلي ورفع جودة المنتجات وتحسين البنية التحتية للمنافذ الحدودية والجمارك والنقل، فضلاً عن إصلاح البيئة المصرفية والضريبية والاستثمارية.
كما أن فتح الأسواق أمام المنافسة الدولية قد يفرض ضغوطاً على بعض القطاعات المحلية الضعيفة، ما يجعل حماية المنتج الوطني عبر أدوات اقتصادية مشروعة ورفع قدرته التنافسية أكثر أهمية من الاعتماد على الحماية الجمركية وحدها.
اجتماع رابع يقترب
وتعمل وزارة التجارة حالياً على ترتيب زيارة رسمية لوزير التجارة، بصفته رئيس اللجنة الوطنية المعنية بانضمام العراق إلى المنظمة، لإجراء مباحثات مع مسؤولي المنظمة والدول الأعضاء، تمهيداً لعقد الاجتماع الرابع لفريق العمل الخاص بانضمام العراق.
وبالتوازي، تستعد الوزارة لعقد ورشة فنية في بغداد بمشاركة خبراء دوليين، بهدف رفع جاهزية الفريق التفاوضي العراقي ومناقشة الملفات المتبقية قبل الدخول في جولات تفاوض جديدة.
العراق أمام مرحلة أصعب
ويبدو أن ملف الانضمام دخل مرحلة تختلف عن المراحل السابقة؛ فبعد إنجاز جانب مهم من المتطلبات الفنية والإجابة عن استفسارات الدول الأعضاء، ستنتقل الكرة إلى ملعب التفاوض بشأن الالتزامات التي سيقدمها العراق.
وهنا تكمن الصعوبة الأكبر، لأن الانضمام إلى المنظمة ليس قراراً تجارياً منفرداً، بل مسار إصلاحي واسع يمس الجمارك والقطاع المصرفي والاستثمار والصناعة والزراعة والمواصفات وحماية المستهلك والمنافسة.
وبالتالي، فإن نجاح العراق في إكمال ملف الانضمام لن يقاس فقط بالحصول على العضوية، بل بقدرته على تحويلها إلى أداة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وفتح الأسواق أمام الإنتاج العراقي، وجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا، وإدخال الاقتصاد المحلي تدريجياً في سلاسل التجارة العالمية.
الخلاصة: العراق يقترب خطوة جديدة من منظمة التجارة العالمية، لكن المرحلة المقبلة ستكون الأكثر حساسية؛ فالمطلوب لم يعد إنجاز الملفات الورقية فقط، وإنما تنفيذ إصلاحات اقتصادية وتشريعية تجعل الاقتصاد العراقي قادراً على المنافسة بعد فتح أبواب السوق أمامه.







