حرية
سجّل الاقتصاد البريطاني نمواً غير متوقع خلال يونيو/حزيران 2026، في مؤشر يعكس قدرة النشاط الاقتصادي على امتصاص جزء من تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب على إيران.
وأظهرت البيانات الرسمية ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3% خلال يونيو، بعد استقراره في مايو/أيار، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين الذين كانوا يرجحون عدم تسجيل نمو خلال الشهر.
وجاء هذا الأداء مدفوعاً بصورة أساسية بقطاع الخدمات الذي نما بنسبة 0.4%، مستفيداً من تحسن النشاط الاستهلاكي والخدمي، إلى جانب تأثيرات مرتبطة ببطولة كأس العالم لكرة القدم والطقس الحار. في المقابل، تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.2%، وانخفض نشاط البناء بنسبة 0.1%.
وعلى أساس الربع الثاني من العام، نما الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.4% مقارنة بـ 0.6% في الربع الأول، ما يعني تباطؤ وتيرة النمو، لكنه لا يزال يعكس أداءً متماسكاً مقارنة بالمعدلات المعتادة للاقتصاد البريطاني.
حرب إيران.. اختبار للاقتصاد البريطاني
اللافت في البيانات أن الاقتصاد البريطاني لم يُظهر حتى الآن التأثير الكامل للصدمة التي أحدثتها الحرب على إيران في أسواق الطاقة. ويشير ذلك إلى أن ارتفاع أسعار النفط لم يتحول، خلال النصف الأول من العام، إلى صدمة اقتصادية عميقة تدفع الأسر والشركات إلى تقليص الإنفاق والاستثمار بصورة حادة.
لكن استمرار هذا الأداء يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات أسواق الطاقة. فقد سجلت واردات بريطانيا من الوقود خلال يونيو أعلى مستوى لها منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، بعد احتساب أثر التضخم، وهو ما يعكس حجم الطلب على الطاقة ومحاولة الاقتصاد تأمين احتياجاته في ظل اضطراب الأسواق العالمية.
وهنا تظهر المفارقة: الاقتصاد ينمو في الوقت الذي ترتفع فيه فاتورة الطاقة، لكن استمرار الحرب أو عودة أسعار النفط إلى الارتفاع بصورة حادة قد يغيّر المعادلة خلال الأشهر المقبلة.
الخدمات تحمل الاقتصاد
تكشف الأرقام أيضاً عن استمرار اعتماد الاقتصاد البريطاني بصورة كبيرة على قطاع الخدمات، الذي تمكن من تعويض تراجع قطاعات الإنتاج والبناء.
وهذا النمو قد يكون إيجابياً على المدى القصير، لكنه لا يخفي نقاط الضعف الهيكلية للاقتصاد البريطاني، خصوصاً إذا تواصل ضعف الصناعة والبناء وارتفعت كلفة الطاقة والتمويل.
كما أن بعض عوامل النمو التي دعمت يونيو، مثل الطقس وفعاليات كأس العالم، تحمل طبيعة مؤقتة، وبالتالي يصعب اعتبارها مؤشراً كافياً على تحول مستدام في مسار الاقتصاد.
هل يستمر النمو؟
التوقعات المقبلة تبدو أكثر حذراً. فالتراجع من 0.6% في الربع الأول إلى 0.4% في الربع الثاني يشير إلى أن الاقتصاد بدأ يفقد بعض زخمه، فيما قد تظهر التداعيات الكاملة لارتفاع أسعار الطاقة في بيانات الأشهر المقبلة.
وبالتالي، فإن المفاجأة الإيجابية في يونيو لا تعني أن الاقتصاد البريطاني تجاوز تداعيات الحرب نهائياً، بل تشير إلى أنه نجح حتى الآن في تأجيل تأثيراتها الأكبر.
والاختبار الحقيقي سيكون في النصف الثاني من العام: هل يستطيع الاقتصاد الحفاظ على النمو مع استمرار الضغوط على الطاقة والتجارة والتضخم، أم أن الارتفاع الأخير كان مجرد هدنة مؤقتة قبل عودة الضغوط الاقتصادية؟







