حرية
وصلت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب، عصر الجمعة، من بغداد إلى محافظة بابل، وشاركت مع القوات الأمنية المحلية في عمليات تفتيش داخل سجن الحلة الإصلاحي القديم للرجال، بالتزامن مع إجراءات أمنية مشددة أعقبت احتجاجاً شهدته المؤسسة قبل يومين.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الإجراءات لا تقتصر على التفتيش، إذ يجري بحث نقل عدد من النزلاء إلى سجون خارج المحافظة، في وقت شكلت فيه الحكومة لجنة تحقيقية للوقوف على ملابسات الاحتجاج ومطالب المشاركين فيه.
ورغم تأكيد قيادة شرطة بابل أن وجود قوات مكافحة الإرهاب والمفارز الأمنية يأتي ضمن إجراءات التفتيش الدوري والاعتيادي في السجون، فإن توقيت العملية، بعد احتجاج داخل السجن مباشرة، يجعلها محط اهتمام، خصوصاً مع وجود حديث عن إجراءات إضافية تتعلق بأوضاع النزلاء وإدارة المؤسسة.
أزمة السجن.. ما وراء الاحتجاج
المعطيات التي أوردتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في بابل تشير إلى أن المشكلة تتجاوز حادثة احتجاج عابرة، إذ تحدثت عن ضعف في إدارة التعامل مع الاحتجاج، فضلاً عن وجود مؤشرات على تعاون أو تقصير من بعض الموظفين في إدخال ممنوعات إلى النزلاء.
وهذه النقطة تحديداً تمثل الجانب الأكثر حساسية في الملف؛ لأن دخول الممنوعات إلى مؤسسة إصلاحية شديدة التحصين لا يرتبط بالنزلاء وحدهم، وإنما يفتح الباب أمام مسؤولية إدارية وأمنية تستوجب التحقيق في آليات التفتيش والرقابة على العاملين والزائرين ومسارات إدخال المواد إلى السجن.
أما المطالبة بإغلاق سجن الحلة المركزي ونقل نزلائه إلى مؤسسات حديثة، فتضع الأزمة في إطار أوسع يتعلق بصلاحية البنية التحتية للسجون العراقية وقدرتها على أداء وظيفتها الإصلاحية والأمنية في آن واحد.
فالسجن، بحسب المفوضية، يعود إنشاؤه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ويقع وسط منطقة سكنية، وهي عوامل تجعل التعامل معه تحدياً أمنياً متزايداً، خصوصاً في ظل تطور وسائل الاتصال والحاجة إلى تقنيات حديثة للمراقبة والتشويش والحماية.
لماذا يكتسب دخول مكافحة الإرهاب أهمية؟
وجود جهاز مكافحة الإرهاب داخل محيط سجن مدني لا يعني بالضرورة وجود تهديد إرهابي أو محاولة تمرد واسعة، خصوصاً مع نفي شرطة بابل وجود مؤشرات تستدعي القلق. لكن إرسال قوة من بغداد في أعقاب احتجاج يستدعي قراءة المشهد من زاوية إدارة المخاطر الأمنية.
فالحكومة تبدو أمام مسارين متوازيين: الأول احتواء تداعيات الاحتجاج ومنع تكراره، والثاني معالجة الأسباب التي قد تحول السجون القديمة إلى نقاط ضعف أمنية، سواء بسبب الاكتظاظ أو التهريب أو ضعف البنية التحتية أو سوء الإدارة.
والأهم أن نتائج اللجنة التحقيقية ستكون اختباراً حقيقياً؛ فإذا اقتصرت المعالجة على معاقبة بعض النزلاء، فقد يجري التعامل مع النتيجة بدلاً من معالجة الأسباب. أما إذا امتدت التحقيقات إلى الموظفين والمسؤولين عن الرقابة وإدخال الممنوعات وظروف الاحتجاج، فإنها قد تكشف خللاً مؤسسياً يحتاج إلى إصلاح أوسع.
الخلاصة: ما يجري في سجن الحلة لا يبدو مجرد عملية تفتيش دورية بمعناها الروتيني، بل يأتي في ظل ثلاثة ملفات متداخلة: احتجاج للنزلاء، وشبهات تتعلق بدخول الممنوعات، ومؤسسة إصلاحية قديمة توصي الجهات الحقوقية بإغلاقها. ولذلك فإن القضية تتطلب معالجة أمنية، لكن بالتوازي مع معالجة إدارية وحقوقية وبنيوية، حتى لا تتحول السجون القديمة إلى مصدر دائم للأزمات الأمنية.





