حرية
أثار وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي جدلاً إقليمياً بعد زيارته، اليوم السبت، ضريح ياسوكوني في طوكيو، الذي يكرّم قتلى الحروب اليابانية، بينهم شخصيات أدينت بجرائم حرب مرتبطة بالعدوان الياباني في آسيا خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وجاءت الزيارة بالتزامن مع الذكرى الـ81 لاستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وهي مناسبة يتحول فيها الضريح سنوياً إلى نقطة تجمع لسياسيين وشخصيات قومية ومواطنين، إلا أن زيارة مسؤول دفاعي بارز للموقع تحمل دلالة سياسية أكبر، نظراً إلى الحساسية التاريخية التي تحيط به في الصين وكوريا الجنوبية.
ويُكرّم ياسوكوني نحو 2.5 مليون قتيل، لكن إدراج أسماء مدانين بجرائم حرب بين المكرّمين جعل الضريح رمزاً للخلاف حول كيفية تعامل اليابان مع إرثها العسكري والاستعماري.
لماذا تثير الزيارة حساسية إقليمية؟
ترى بكين وسيول أن الزيارات الرسمية لكبار المسؤولين اليابانيين إلى ياسوكوني لا يمكن فصلها عن تاريخ الاحتلال الياباني لأجزاء واسعة من آسيا، ولذلك تنظران إليها باعتبارها مؤشراً على عدم اكتمال المراجعة اليابانية لماضيها العسكري.
وتزداد حساسية زيارة كويزومي لأنه يشغل منصب وزير الدفاع، وليس مجرد سياسي يزور الضريح بصفته الشخصية. فالرسالة التي يمكن أن تصل إلى الخارج هي أن المؤسسة الأمنية اليابانية لا ترى في الزيارة تناقضاً مع موقع اليابان الحالي في النظام الإقليمي.
وهذا تحديداً ما قد يدفع الصين وكوريا الجنوبية إلى إصدار مواقف احتجاجية، خصوصاً أن البلدين يراقبان منذ سنوات التحول التدريجي في السياسة الدفاعية اليابانية.
تاكايتشي تختار المسافة
في المقابل، فإن امتناع رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عن زيارة الضريح شخصياً، مع إرسال قربان، يبدو خطوة محسوبة لتجنب منح الزيارة طابعاً حكومياً مباشراً على أعلى مستوى.
فالخيار يعكس محاولة للموازنة بين جمهور ياباني محافظ يرى في ياسوكوني رمزاً لتكريم قتلى الحرب، وبين حسابات السياسة الخارجية التي تفرض على طوكيو تجنب استفزاز الصين وكوريا الجنوبية في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
لكن هذا التوازن لا يلغي الرسالة السياسية بالكامل، خصوصاً أن تاكايتشي سبق أن أثارت غضب بكين عندما ألمحت إلى إمكانية تدخل اليابان عسكرياً في حال اندلاع نزاع حول تايوان.
كويزومي.. التاريخ الشخصي يضيف بعداً آخر
تكتسب زيارة وزير الدفاع الياباني بعداً إضافياً من خلفيته السياسية، فهو نجل رئيس الوزراء السابق جونيشيرو كويزومي، الذي ارتبط اسمه أيضاً بزيارات ياسوكوني وأثار في عهده غضباً صينياً وكورياً جنوبياً واسعاً.
كما أن شينجيرو كويزومي نفسه من الزوار الدائمين للضريح، لكن انتقاله إلى حقيبة الدفاع يجعل أي زيارة له أكثر ارتباطاً بالسياسة الأمنية اليابانية.
وهنا تكمن المفارقة: الزيارة قد تكون بالنسبة إلى كويزومي ممارسة شخصية مرتبطة بذاكرة الحرب، لكنها بالنسبة إلى بكين وسيول تُقرأ من خلال موقعه الرسمي الحالي.
هل تتجاوز المسألة البعد التاريخي؟
القلق الصيني والكوري لا يرتبط بالضريح وحده، بل بالسياق الأوسع الذي تتحرك فيه اليابان.
فطوكيو تعمل منذ سنوات على تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة ودول آسيوية أخرى، بالتزامن مع تصاعد التوتر حول تايوان وبحر الصين الشرقي.
ومن ثم، فإن زيارة مسؤول دفاعي لياسوكوني يمكن أن تُستخدم سياسياً باعتبارها جزءاً من سردية أوسع تقول إن اليابان لا تكتفي بتعزيز قدراتها العسكرية، بل تشهد أيضاً صعوداً في الخطاب القومي المحافظ.
في المقابل، قد ترى الحكومة اليابانية أن المبالغة في تفسير الزيارة تمنح الصين فرصة لتوظيف التاريخ في مواجهة التحولات الأمنية التي تشهدها المنطقة.
الاختبار الحقيقي أمام طوكيو
المشكلة التي تواجه اليابان هي كيفية الجمع بين إعادة بناء قوتها الدفاعية وبين تجنب إعادة إنتاج المخاوف التاريخية لدى جيرانها.
فكل خطوة عسكرية يابانية، خصوصاً في ظل التوتر حول تايوان، تُراقب في بكين وسيول من زاويتين: الأولى تتعلق بالتهديدات الأمنية الحالية، والثانية مرتبطة بذاكرة الاحتلال الياباني.
ولهذا فإن زيارة كويزومي قد تبدو حدثاً بروتوكولياً، لكنها تأتي في لحظة تجعل الرموز التاريخية ذات تأثير مباشر على الحسابات الأمنية.
الخلاصة: زيارة وزير الدفاع الياباني لياسوكوني لا تعني بالضرورة تحولاً في السياسة الخارجية لطوكيو، لكنها تحمل دلالة سياسية حساسة بسبب موقعه وتوقيت الزيارة. وامتناع تاكايتشي عن الذهاب شخصياً، مع إرسال قربان، يشير إلى محاولة إدارة التوازن بين التيار القومي داخل اليابان ومتطلبات العلاقات مع الصين وكوريا الجنوبية. ومع استمرار التوتر حول تايوان، قد تصبح مثل هذه الرموز التاريخية جزءاً من معركة النفوذ والردع في شرق آسيا، وليس مجرد خلاف حول كيفية إحياء ذكرى الحرب.







