حرية
انتهت المهلة الزمنية التي حددتها مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية الموقعة في 17 حزيران/يونيو للتوصل إلى اتفاق نهائي، من دون أن تنجح واشنطن وطهران في تحويل الهدوء المؤقت إلى تسوية دائمة، فيما دخل الملف مجدداً مرحلة شديدة التعقيد تتداخل فيها المفاوضات النووية مع العقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز والاستعدادات العسكرية.
وكانت المذكرة قد منحت الطرفين 60 يوماً قابلة للتمديد بموافقة متبادلة للتفاوض على اتفاق نهائي، بالتوازي مع ترتيبات لوقف العمليات العسكرية وإعادة حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران.
لكن المسار لم يصمد طويلاً؛ إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 7 تموز/يوليو أن الترتيب المؤقت انتهى، فيما قالت طهران لاحقاً إنه لا توجد مفاوضات جارية لتمديده. وفي 12 آب/أغسطس، أكدت مصادر إيرانية أن جهود إحياء الاتفاق لم تحقق تقدماً، وأن طهران تطالب واشنطن أولاً بالعودة إلى الالتزامات الواردة في الاتفاق.
هرمز.. العقدة التي أفشلت التهدئة
كان مضيق هرمز أحد المحاور الأساسية في مذكرة التفاهم. فقد تعهدت إيران بتوفير مرور آمن ومجاني للسفن التجارية لمدة 60 يوماً، بينما تعهدت الولايات المتحدة بإنهاء الحصار البحري خلال 30 يوماً.
إلا أن الخلاف حول آلية فتح المضيق وترتيبات الملاحة تحول إلى واحدة من أكبر العقبات أمام التسوية. وبدلاً من عودة حركة السفن إلى مستويات ما قبل الحرب، تراجعت حركة الملاحة بصورة حادة، وبقي المضيق في قلب المواجهة السياسية والعسكرية بين الطرفين. وتشير تقارير حديثة إلى أن المفاوضات بشأن إعادة فتحه لا تزال متعثرة بسبب اختلاف الشروط الأميركية والإيرانية.
وهنا تكمن أهمية هرمز؛ فالقضية لم تعد مجرد خلاف على ممر مائي، بل تحولت إلى ورقة ضغط اقتصادية واستراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة العقوبات والضغوط الأميركية، فيما تعتبر واشنطن إعادة الملاحة شرطاً أساسياً لاستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
المفاوضات لم تختفِ.. لكنها فقدت إطارها
ورغم انهيار الترتيب المؤقت، لم تختفِ الاتصالات بالكامل. فقد استمرت محاولات الوسطاء، من بينهم باكستان وقطر، لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض، فيما اتسعت دائرة الاتصالات لتشمل دولاً أوروبية مثل النمسا واليونان.
لكن المشكلة الأساسية أن الطرفين لم يعودا يتفاوضان من نقطة واحدة.
واشنطن تريد ضمانات تتعلق بالملاحة والبرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية، بينما تطالب طهران برفع العقوبات وإنهاء الضغوط الاقتصادية ورفع القيود المفروضة على أصولها وحركتها التجارية.
وبالتالي، فإن انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني بالضرورة نهاية الدبلوماسية، لكنه يعني انتهاء الإطار الزمني الذي كان يفترض أن يقود إلى اتفاق نهائي.
إيران بين التفاوض والاستعداد للمواجهة
وتزداد صعوبة المشهد مع التقارير التي تتحدث عن اتجاه القيادة الإيرانية إلى تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية خلال فترة التهدئة، بالتوازي مع استمرار الاتصالات مع الوسطاء.
وتشير تقارير حديثة إلى أن التيار المتشدد داخل إيران تعامل مع التفاهم باعتباره فرصة لإعادة ترتيب القدرات والاستعداد لاحتمال عودة المواجهة، مع تعزيز دور الحرس الثوري وتطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وتوسيع التنسيق مع حلفاء إيران الإقليميين.
لكن هذه الرواية تبقى تقديرات استخبارية وإعلامية وليست حقائق مستقلة مثبتة بالكامل، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مؤشرات على طبيعة الصراع داخل دوائر صنع القرار الإيراني، لا باعتبارها إعلاناً رسمياً عن استراتيجية حرب جديدة.
العامل الإقليمي يزيد الحسابات تعقيداً
المشكلة لا تتوقف عند الحدود الإيرانية الأميركية. فأي عودة للمواجهة قد تفتح جبهات متعددة، خصوصاً في العراق واليمن ولبنان، وتضع القواعد والمصالح الأميركية والمنشآت النفطية والممرات البحرية أمام مخاطر إضافية.
كما أن استمرار اضطراب الملاحة في هرمز يفرض تكلفة مباشرة على أسواق الطاقة، وهو ما يجعل دول الخليج أكثر اهتماماً بإعادة فتح المضيق ومنع تحول الأزمة إلى حالة دائمة.
وفي الوقت نفسه، تدفع المخاوف من اضطراب إمدادات النفط إلى ارتفاع علاوة المخاطر في الأسواق، ما يربط المسار السياسي الأميركي الإيراني مباشرة بأسعار الطاقة والتضخم العالمي.
ماذا بعد انتهاء المهلة؟
المشهد الحالي يقف أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول: عودة المفاوضات
وهو السيناريو الأقل كلفة لجميع الأطراف، لكنه يحتاج إلى صيغة جديدة تتجاوز الخلاف حول تنفيذ الاتفاق السابق، وربما تبدأ بترتيب مرحلي خاص بمضيق هرمز قبل الانتقال إلى الملفات النووية والعقوبات.
الثاني: تمديد غير معلن للتهدئة
قد يستمر الطرفان في تجنب الحرب الشاملة مع إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة، حتى من دون اتفاق رسمي جديد، وهو سيناريو يسمح لكل طرف بإعادة ترتيب أوراقه من دون تقديم تنازلات كبيرة.
الثالث: العودة إلى التصعيد
وهو الأخطر، خصوصاً إذا فشلت الوساطات أو وقعت مواجهة جديدة في الخليج أو استهدفت منشآت حيوية أو قوات أميركية، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى انهيار ما تبقى من قنوات الاتصال وعودة العمليات العسكرية بوتيرة أكبر.
انتهاء مهلة الستين يوماً يمثل نهاية مرحلة وليس بالضرورة نهاية المفاوضات. فالاتفاق المؤقت نجح في فتح نافذة زمنية للتهدئة، لكنه فشل في معالجة جوهر الخلافات بين واشنطن وطهران، وفي مقدمتها العقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز.
والأخطر أن الطرفين خرجا من هذه المرحلة وهما أكثر تشككاً في نيات الآخر؛ واشنطن تريد ضمانات أقوى قبل تقديم تنازلات، وطهران تريد رفع الضغوط قبل الالتزام بترتيبات جديدة.
وبذلك يتحول السؤال من «هل ستنجح المفاوضات؟» إلى سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع واشنطن وطهران إدارة مرحلة ما بعد انتهاء الاتفاق المؤقت من دون الانزلاق مجدداً إلى الحرب؟
وهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.







