حرية
أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية، اليوم الاثنين، ضبط ستة موظفين في إحدى دوائر البلدية بمحافظة الأنبار، بينهم معاون مدير ورئيسا وأعضاء لجنتي التنفيذ والاستلام، على خلفية صرف وتسلم مبالغ مالية بصورة غير مشروعة ضمن مشروع وصفته الهيئة بـ«الوهمي».
وذكرت الهيئة في بيان أن فريقاً من مكتب تحقيق الأنبار انتقل إلى إحدى دوائر البلدية، وتمكن من ضبط المتهمين، مبينة أن بينهم مسؤولين وموظفين مكلفين بمهام تنفيذ واستلام المشاريع.
وبحسب البيان، فإن المتهمين أقدموا على صرف وتسلم مبلغ السلفة المخصصة لمشروع تأهيل وصيانة طرق ناحية الصقلاوية، رغم عدم وجود مشروع حقيقي مطابق لما جرى صرف الأموال باسمه.
وعلى إثر ذلك، قرر قاضي التحقيق المختص بالنظر في قضايا النزاهة في الرمادي توقيف المتهمين، وفق أحكام المادة 340 من قانون العقوبات.
مشروع وهمي.. لكن الأموال حقيقية
تكشف القضية، في حال ثبوت الوقائع أمام القضاء، عن واحدة من أكثر آليات هدر المال العام وضوحاً؛ تحويل مشروع خدمي يفترض أن ينعكس على الطرق والبنية التحتية إلى غطاء لصرف الأموال دون تنفيذ حقيقي.
والأخطر أن القضية لا تتعلق بموظف منفرد، وإنما تضم معاون مدير ورؤساء وأعضاء لجان التنفيذ والاستلام، وهي الجهات التي يفترض أن تؤدي أدواراً رقابية وإدارية متتابعة لضمان وصول المال إلى المشروع المستهدف.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية مرور معاملة مشروع وهمي عبر سلسلة من الإجراءات الإدارية والمالية، ومن منح الموافقات، وكيف تم التعامل مع السلفة وصرفها، وما إذا كانت هناك وثائق أو محاضر استلام استُخدمت لتغطية عملية الصرف.
لجان التنفيذ والاستلام تحت المجهر
وجود رئيس وأعضاء لجنتي التنفيذ والاستلام ضمن المتهمين يمنح القضية بعداً مهماً؛ فهذه اللجان يفترض أن تكون إحدى حلقات حماية المال العام، والتأكد من أن الأعمال المنفذة مطابقة للمواصفات والكميات والكلفة قبل إقرار المستحقات.
وبالتالي، فإن التحقيق لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال أين ذهبت السلفة؟، بل يمتد إلى كيفية نشوء المشروع من الأساس، ومن أعد ملفه، ومن وافق عليه، ومن تولى الصرف، وهل جرى إعداد مستندات أو محاضر أو كشوفات لإظهار مشروع غير موجود على أنه مشروع منفذ.
الصقلاوية.. المال العام مقابل الخدمات
القضية تحمل أيضاً جانباً خدمياً مباشراً، لأن الأموال كانت مخصصة لتأهيل وصيانة الطرق في ناحية الصقلاوية.
وهنا تتحول قضية الفساد من مجرد أرقام في سجلات مالية إلى خسارة مزدوجة للمواطن: أموال عامة تُصرف دون وجه حق، ومشروع خدمي لا يصل إلى السكان.
فالطرق التي يفترض أن تُصان تتحول في مثل هذه الحالات إلى عنوان لمشروع على الورق، بينما تبقى الحاجة الخدمية قائمة على الأرض.
مكافحة الفساد تبدأ من الحلقة الإدارية
وتشير القضية إلى أهمية الرقابة على دورة المشروع كاملة، وليس فقط على مرحلة الصرف. فوجود أكثر من جهة داخل الدائرة لا يعني بالضرورة وجود رقابة فعلية إذا تحولت اللجان نفسها إلى جزء من عملية التلاعب.
ومن هنا تبرز ضرورة ربط صرف السلف بمراحل إنجاز يمكن التحقق منها ميدانياً، واستخدام وسائل التوثيق الحديثة لمطابقة نسب الإنجاز مع الأموال المصروفة، إلى جانب تشديد المسؤولية القانونية على كل من يوقع أو يصادق أو يستلم مشروعاً لا وجود له.
وبانتظار ما ستكشفه التحقيقات، فإن توقيف المتهمين يمثل خطوة إجرائية، بينما تبقى استعادة الأموال ومعرفة كامل شبكة المتورطين وتحديد المسؤولية الإدارية والجنائية هي الاختبار الحقيقي لهذه القضية.
إذا ثبتت الاتهامات قضائياً، فإن «مشروع طرق وهمي» في الصقلاوية سيكون مثالاً جديداً على أن الفساد لا يحتاج دائماً إلى عمليات مالية معقدة؛ أحياناً يكفي مشروع غير موجود، وسلفة حقيقية، ولجنة يفترض أن تراقب التنفيذ.







