حرية
لم يكن حريقاً عادياً اندلع داخل منشأة صناعية، بل ليلة كاملة من ألسنة اللهب والانفجارات هزّت منطقة تانجرو الصناعية في السليمانية، وأضاء وهجها سماء المدينة حتى شوهد من مسافات بعيدة، فيما احتاجت فرق الدفاع المدني إلى أكثر من أربع ساعات لاحتواء النيران ومنعها من الوصول إلى المستودعات المجاورة.
الحريق اندلع فجر اليوم الثلاثاء داخل مستودع للمحروقات ومصنع للقير، وسط وجود كميات كبيرة من المواد سريعة الاشتعال، قبل أن تتحول النيران خلال وقت قصير إلى كتلة لهب ضخمة رافقتها انفجارات متتالية لخزانات الوقود، الأمر الذي رفع مستوى الخطورة وحوّل موقع الحادث إلى واحدة من أصعب عمليات الإطفاء التي واجهتها فرق الدفاع المدني في المدينة.
وقال نائب محافظ السليمانية شاهو عثمان، في تصريح صحفي من موقع الحادث، إن الحريق تمت السيطرة عليه بالكامل، مطمئناً المواطنين إلى عدم وجود تأثير في الكميات المجهزة من الوقود والمحروقات في المحافظة، وعدم تسجيل أي نقص فيها.
وفي الميدان، أكد قائممقام مركز قضاء السليمانية فاضل عمر أن الأضرار المادية اقتصرت على موقع المستودع ومصنع القير الملحق به، من دون امتداد النيران أو تضرر المستودعات المجاورة، وهو ما يعني أن فرق الإطفاء نجحت في عزل الحريق قبل تحوله إلى كارثة صناعية أوسع.
أما حجم المواجهة مع النيران، فيكشفه مدير الدفاع المدني في السليمانية العميد آري محمد، الذي أوضح أن عملية الإخماد استغرقت 4 ساعات و20 دقيقة، بمشاركة جميع فرق وإمكانيات الدفاع المدني في المدينة، مشيراً إلى إصابة 4 من عناصر الإطفاء بجروح مختلفة تلقوا العلاج الميداني في موقع الحادث.
لكن الخطر لم يتوقف عند فرق الإطفاء؛ إذ أسفر الحادث عن إصابة نحو 30 شخصاً بحروق متفاوتة، معظمهم من العمال وطواقم الموقع، تلقى أغلبهم الإسعافات الأولية في مكان الحادث، فيما نُقلت الحالات الأكثر خطورة إلى المستشفيات.
وغادر معظم المصابين المؤسسات الصحية بعد تماثلهم للشفاء، بينما بقي عامل واحد يحمل الجنسية الإيرانية تحت الرعاية الطبية بسبب شدة إصابته.
وتكشف المعلومات الأولية عن حجم الخسائر المادية الهائل؛ إذ أفاد مصدر من داخل المستودع بأن الحريق اندلع أثناء العمل عندما كان أحد العمال يحمل دلواً محاطاً بالوقود، قبل أن تتصاعد النيران بصورة مفاجئة. ومع محاولة العاملين إخمادها بالمياه، اتسع نطاق الحريق سريعاً، بحسب المصدر، بسبب عدم صلاحية طفايات الحريق في الموقع وتسرب الوقود على الأرض.
وخلال وقت قصير، وصلت النيران إلى خزانات المستودع، لتلتهم 34 صهريجاً محملاً بالبنزين و4 صهاريج محملة بالغاز، فيما قُدرت كمية البنزين التي احترقت بأكثر من 3 ملايين لتر.
وهنا تتحول الواقعة من حريق صناعي إلى سؤال عن معايير السلامة داخل منشآت تخزين المحروقات.
فوجود مواد شديدة الاشتعال بكميات ضخمة يتطلب منظومة حماية قادرة على التعامل مع الثواني الأولى للحادث، بدءاً من جاهزية الطفايات وأنظمة الإطفاء، مروراً بآليات عزل الوقود ومنع تسربه، وصولاً إلى خطط الإخلاء والاستجابة السريعة.
وإذا صحت المعلومات المتعلقة بعدم صلاحية طفايات الحريق وتسرب الوقود، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للتحقيق في إجراءات السلامة داخل الموقع، ومدى إجراء الفحوصات الدورية على معدات الإطفاء، ومدى التزام المنشأة بشروط تخزين ونقل المواد القابلة للاشتعال.
فالخطر الأكبر في منشآت المحروقات لا يبدأ عندما تصل النيران إلى الخزانات، بل قبل ذلك بكثير؛ عندما تفشل إجراءات الوقاية في احتواء شرارة أو تسرب في لحظاته الأولى.
وفي المقابل، فإن نجاح الدفاع المدني في إبقاء النيران محاصرة داخل المستودع ومنعها من الوصول إلى المنشآت المجاورة يمثل الجانب الآخر من الحادث. فمع وجود عشرات الصهاريج المحملة بمواد سريعة الاشتعال، كان أي امتداد إضافي للنيران يمكن أن يضاعف الخسائر البشرية والمادية ويحوّل المنطقة الصناعية إلى نطاق خطر واسع.
ومن هنا تبرز أهمية التحقيق الذي يجب أن يحدد بدقة نقطة بداية الحريق، وطبيعة المواد الموجودة في الموقع، وأسباب انتشار النيران، ومدى مطابقة أنظمة السلامة للمواصفات المطلوبة، والمسؤولية عن جاهزية معدات الإطفاء.
الحريق انتهى بعد أكثر من أربع ساعات، لكن الأسئلة التي خلّفها لم تنتهِ.
هل كانت معدات السلامة في المستودع جاهزة فعلاً للحظة الطوارئ؟ وهل كان بالإمكان احتواء الحريق قبل وصوله إلى الصهاريج؟ وكيف يمكن لمنشأة تحتوي ملايين اللترات من الوقود أن تضمن عدم تحول أي خطأ بسيط إلى كارثة؟
في تانجرو، نجحت فرق الدفاع المدني في إيقاف النار قبل أن تصل إلى المستودعات المجاورة، لكن حجم الخسائر والإصابات يكشف أن المعركة المقبلة يجب ألا تكون مع اللهب، بل مع أسباب نشوبه وانتشاره.
فالنيران أُخمدت.. أما ملف السلامة، فما زال مفتوحاً.







