حرية
أطلقت شركة «علي بابا» الصينية، الأحد، عملية طرح أسهم بقيمة 80 مليار دولار هونغ كونغي، ما يعادل نحو 10.2 مليار دولار أميركي، في خطوة تستهدف تمويل توسعها الكبير في قطاع الذكاء الاصطناعي وتعزيز قدراتها في البنية التحتية الحاسوبية.
ويمثل الطرح أكبر عملية بيع أسهم لاحقة من جانب شركة مدرجة في بورصة هونغ كونغ، في مؤشر على حجم الرهان الذي تضعه الشركة على الذكاء الاصطناعي باعتباره المحرك الرئيسي لنموها خلال السنوات المقبلة.
وبحسب الشركة، ستخصص كامل صافي عائدات الطرح للاستثمار في قدراتها المتكاملة بمجال الذكاء الاصطناعي، بما يشمل الرقائق، والبنية التحتية الحاسوبية، ومراكز البيانات، إلى جانب تطوير ونشر نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتخطط «علي بابا» لبيع نحو 710 ملايين سهم عادي بسعر 112.70 دولار هونغ كونغي للسهم، وهو سعر يقل بنحو 3.6% عن آخر سعر إغلاق للسهم.
ويأتي هذا التحرك في وقت تكثف فيه الشركة إنفاقها الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بعدما أعلنت أخيراً نتائجها الفصلية التي أظهرت ارتفاع الإيرادات بنحو 9%، مدفوعة بصورة خاصة بالطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية.
لكن هذا التوسع جاء بكلفة مالية كبيرة، إذ تراجع صافي أرباح الشركة خلال الربع بنسبة 75% على أساس سنوي، نتيجة ارتفاع الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة إيدي وو إن تحقيق النمو المستقبلي يتطلب أولاً ضخ استثمارات كبيرة لبناء القدرات الحاسوبية اللازمة، في رسالة تعكس تحول أولويات «علي بابا» من التجارة الإلكترونية التقليدية إلى بناء منظومة تقنية متكاملة قادرة على المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي.
وتشير الشركة إلى أن فترة استرداد استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تسير باتجاه الانخفاض إلى نحو عامين ونصف العام، مقارنة بثلاث سنوات سابقاً، مدفوعة بالطلب المتزايد على الخدمات والقدرات المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
إقبال استثماري كبير
ولقي الطرح، وفق مصادر مطلعة، إقبالاً قوياً من المستثمرين، بما في ذلك صناديق ثروة سيادية، ما دفع الشركة إلى زيادة حجم العملية بعد تجاوز طلبات الاكتتاب قيمة الأسهم المطروحة.
وتولت بنوك دولية وصينية كبرى إدارة الاكتتاب المشترك، في وقت أكدت فيه الشركة أن الطرح غير مسجل وفق قوانين الأوراق المالية الأميركية، وبالتالي لم يكن المستثمرون الأميركيون مؤهلين للمشاركة فيه.
ويأتي جمع هذه السيولة في سياق سباق عالمي محتدم على بناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، بعدما تحولت مراكز البيانات والرقائق وقدرات الحوسبة إلى واحدة من أكبر ساحات الاستثمار في الاقتصاد العالمي.
الصين تدخل سباق البنية التحتية
ولا تقتصر دلالة صفقة «علي بابا» على احتياجات الشركة التمويلية، بل تكشف أيضاً عن اتساع المنافسة الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت تسعى فيه بكين إلى تعزيز قدراتها المحلية في الرقائق والحوسبة والنماذج الذكية وتقليل اعتمادها على التقنيات الأجنبية.
وبذلك تتحول «علي بابا» تدريجياً من شركة تجارة إلكترونية وحوسبة سحابية إلى لاعب متكامل في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، يبدأ من الرقائق ومراكز البيانات ولا ينتهي عند تطوير النماذج وتقديم الخدمات الذكية.
وفي المقابل، تعكس مستويات الإنفاق لدى الشركات الأميركية العملاقة حجم المنافسة. إذ يتوقع أن تنفق أكبر شركات الحوسبة السحابية الأميركية، وفي مقدمتها مايكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا، مئات المليارات من الدولارات خلال عام 2026 على النفقات الرأسمالية، يرتبط جزء كبير منها بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والرقائق والبنية التحتية السحابية.
يحمل طرح «علي بابا» رسالة واضحة: المعركة المقبلة في الذكاء الاصطناعي لن تكون فقط على مستوى التطبيقات والنماذج، وإنما على مستوى القدرة على امتلاك البنية التحتية التي تشغلها.
فالاستثمار في الرقائق ومراكز البيانات والحوسبة السحابية يمثل محاولة لبناء سلسلة متكاملة تمنح الشركة قدرة أكبر على التحكم في تكلفة تشغيل النماذج وتوسيع خدماتها، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الصين وخارجها.
لكن انخفاض الأرباح في الوقت الذي تتوسع فيه الاستثمارات يكشف أيضاً عن طبيعة الرهان؛ فالشركات الكبرى مطالبة اليوم بإنفاق مبالغ ضخمة قبل أن تتضح بصورة كاملة العوائد التجارية طويلة الأجل لهذه الاستثمارات.
ولهذا فإن نجاح «علي بابا» لن يقاس فقط بحجم الأموال التي جمعتها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأموال إلى بنية حوسبة وخدمات ونماذج قادرة على تحقيق إيرادات مستدامة. وإذا نجحت في ذلك، فإن الطرح الحالي قد يمثل نقطة تحول في تاريخ الشركة، من عملاق للتجارة الإلكترونية إلى أحد أبرز أقطاب البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الصين.






