حرية
تكشف معلومات أمنية عراقية عن تعقيدات متزايدة تواجه خطة حصر السلاح بيد الدولة، وسط حديث عن تسليم عدد من الفصائل المسلحة جزءاً من الأسلحة والمعدات التي سبق أن حصلت عليها من مؤسسات الدولة، مقابل استمرار الجدل بشأن مصير الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والأسلحة التي دخلت إلى العراق عبر قنوات خارجية أو جرى تصنيعها وتطويرها داخل منشآت تابعة للفصائل.
وبحسب المصادر، فإن عمليات التسليم التي تجري بإشراف لجان مشتركة تتركز بصورة أساسية على الدبابات والمدرعات والمدافع والأسلحة الثقيلة التي كانت الدولة قد وضعتها في حوزة الفصائل، فيما لا تزال أسلحة أخرى، تصنف ضمن القدرات الهجومية النوعية، خارج نطاق الإجراءات الحالية.
السلاح النوعي.. العقدة الأصعب
وتشير المعلومات إلى أن بعض الفصائل اتجهت إلى إعادة توزيع جزء من قدراتها العسكرية، ولا سيما الطائرات المسيّرة والصواريخ، ونقلها إلى مواقع متفرقة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى شمول عملية حصر السلاح لجميع الترسانة الموجودة فعلياً على الأراضي العراقية.
وتبرز هنا إشكالية أساسية، تتمثل في أن تسليم الأسلحة الثقيلة لا يعني بالضرورة انتهاء قدرة أي فصيل على تنفيذ عمليات عسكرية، إذا بقيت بحوزته منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة ومخزونات من الأسلحة القادرة على إحداث تأثير ميداني كبير.
وتؤكد المصادر أن الاختبار الحقيقي للحكومة لن يكون بعدد الدبابات أو المدرعات التي تدخل المخازن الحكومية، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى كامل الترسانة، وضمان أن يكون قرار استخدام السلاح حصراً بيد مؤسسات الدولة.
تفاهمات سياسية ومخاوف أمنية
وتقول المصادر إن التفاهمات مع الحكومة تشمل عدداً من الفصائل، من بينها كتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله وحركة النجباء ومنظمة بدر وفصائل أخرى، إلا أن طبيعة الأسلحة المشمولة بالتسليم لا تزال تمثل جوهر الخلاف.
وتبرر بعض الفصائل تمسكها بجزء من قدراتها العسكرية بمخاوف أمنية وإقليمية، خصوصاً في ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، واحتمالات امتداد الصراع إلى ساحات أخرى في المنطقة، بما فيها سوريا ولبنان.
وفي هذا السياق، برز دور رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في محاولة تبديد بعض المخاوف ودعم المسار السياسي، بعد تحركات واتصالات إقليمية هدفت إلى الدفع باتجاه تسوية ملف السلاح بعيداً عن المواجهة المباشرة.
وبحسب المصادر، نقل بارزاني تطمينات بشأن المخاوف التي طرحتها بعض القوى، إلى جانب تحذيرات من أن استمرار ملف السلاح من دون حسم قد يضع العراق أمام ضغوط إقليمية ودولية أكبر.
الحكومة أمام اختبار أمريكي
ويرى الخبير الأمني والاستراتيجي سيف رعد أن الحكومة العراقية تواجه اختباراً معقداً، خصوصاً مع تشدد الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران واتساع نطاق العقوبات والقيود المفروضة عليها.
ويشير رعد إلى أن تشابك العلاقات الاقتصادية والمالية بين بغداد وطهران قد يجعل العراق عرضة لضغوط إضافية إذا اعتبرت واشنطن أن بعض القنوات العراقية تستخدم لمساعدة إيران على تجاوز العقوبات أو تخفيف آثارها.
وفي الوقت ذاته، تحاول الحكومة معالجة ملف حصر السلاح من خلال المسار السياسي والأمني، تفادياً لصدام مباشر مع الفصائل التي قد ترفض التخلي عن كامل قدراتها العسكرية.
ويحذر رعد من أن استمرار المفاوضات لن يكون مفتوحاً بلا سقف، إذ قد تتغير المعادلة في حال تنفيذ أي فصيل هجوماً يستهدف مصالح أمريكية أو أهدافاً أخرى، لتجد بغداد نفسها أمام خيارات صعبة، تبدأ بالتحرك الأمني ضد الجهة المسؤولة، ولا تنتهي باحتمال تعرض العراق لإجراءات اقتصادية أو أمنية خارجية.
بين السلاح والدولة.. من يملك القرار؟
من جانبه، يرى الخبير السياسي غانم العابد أن جزءاً من الخطاب الصادر عن الفصائل بشأن ملف السلاح موجه إلى جمهورها الداخلي، في وقت تدرك فيه قياداتها حجم المخاطر المترتبة على استمرار السلاح خارج الإطار الحكومي.
ويعتقد العابد أن استمرار وجود ترسانة مسلحة خارج سيطرة الدولة قد يفتح الباب أمام ضربات تستهدف مقار أو قيادات، فضلاً عن احتمال فرض ضغوط اقتصادية على العراق، في ظل ارتباط نظامه المالي بالنظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.
هل تعيد إيران ترتيب أوراقها؟
ويرى العابد أن طهران قد لا تعارض بالضرورة تسليم جزء من سلاح الفصائل في المرحلة الحالية، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية عليها، معتبراً أن الحفاظ على النفوذ قد يتحول من الاعتماد على تشكيلات عسكرية كبيرة ومكشوفة إلى أدوات أكثر مرونة وأقل عرضة للاستهداف.
وبحسب هذا التقدير، قد تتجه إيران إلى الاعتماد على مجموعات أصغر وأكثر محدودية يمكن تفعيلها عند الحاجة، بدلاً من الإبقاء على ترسانات كبيرة ومعروفة المواقع والارتباطات.
لكن هذا السيناريو، إن صح، يضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ أكبر: فالمشكلة ليست فقط في تسليم السلاح، وإنما في إنهاء فكرة امتلاك أي جهة خارج مؤسسات الدولة القدرة على اتخاذ قرار الحرب والسلم.
وفي النهاية، فإن نجاح خطة حصر السلاح لن يقاس بصورة الأسلحة الثقيلة وهي تدخل مخازن الدولة، بل بمدى انتقال القرار الأمني والعسكري بالكامل إلى مؤسساتها الرسمية. فالدولة التي تحتكر السلاح ولا تحتكر قرار استخدامه، لم تحسم ملف السلاح فعلياً، وإنما نقلت جزءاً من الترسانة وأبقت جوهر المشكلة قائماً.







