حرية
العراق بين “الخناق الاقتصادي” على إيران وضغوط الدولار
لم يعد الحديث الأمريكي عن فرض مزيد من العقوبات على إيران مجرد تهديد اقتصادي موجّه إلى طهران وحدها، بل بات يحمل في طياته رسالة أوسع إلى شبكة الدول المرتبطة بها تجارياً ومالياً. وفي قلب هذه المعادلة يظهر العراق بوصفه الحالة الأكثر حساسية، لأنه يجمع بين اعتماد مالي كبير على النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، وارتباط اقتصادي وجغرافي وطاقة مشتركة مع إيران.
ومن هنا، فإن العراق قد يتحول إلى النموذج العملي الأول الذي تختبر من خلاله واشنطن حدود استراتيجيتها الجديدة، القائمة على تضييق الخناق على إيران من دون الذهاب إلى إجراءات قد تحدث صدمة واسعة في الاقتصاد الإقليمي أو النظام المالي العالمي.
واشنطن تغيّر أدوات الضغط
تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن «هجوم اقتصادي» على إيران تعكس تحولاً في طبيعة المواجهة. فالمطلوب، وفق هذا المسار، لا يبدو مجرد فرض عقوبات جديدة على كيانات إيرانية، بل رفع كلفة التعامل الاقتصادي مع طهران بالنسبة إلى الدول والمؤسسات والشركات التي توفر لها منافذ تجارية أو مالية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة بالنسبة إلى العراق. فواشنطن تمتلك أدوات ضغط استثنائية على الاقتصاد العراقي بسبب ارتباط إيرادات النفط والاحتياطيات المالية العراقية بالنظام المالي القائم على الدولار، فضلاً عن دور الاحتياطي الاتحادي الأمريكي في إدارة تدفقات العملة النقدية إلى العراق.
لذلك، فإن أي ضغط أمريكي جديد لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان عقوبات شاملة على بغداد. فقد يكون أكثر تأثيراً عبر تشديد الرقابة على التحويلات، أو تقييد وصول بعض المصارف إلى الدولار، أو رفع متطلبات الامتثال المالي، أو استهداف شبكات يُشتبه في استخدامها للالتفاف على العقوبات.
العراق.. الحليف الذي لا يستطيع خسارة الطرفين
المشكلة العراقية أن بغداد لا تملك رفاهية الانحياز الكامل في هذه المواجهة.
فالولايات المتحدة شريك رئيسي للعراق في النظام المالي والتعاون الأمني والعلاقات الدولية، بينما ترتبط إيران بالعراق بحدود طويلة وتجارة واسعة وعلاقات سياسية واجتماعية، فضلاً عن ملف الطاقة الذي يمثل أحد أكثر نقاط الارتباط حساسية.
وهذا ما يجعل العراق عالقاً بين قوتين يملك كل منهما القدرة على ممارسة ضغط مختلف.
واشنطن تستطيع التأثير في حركة الدولار والقطاع المصرفي والتحويلات المالية الدولية، بينما تمتلك إيران أدوات تأثير جغرافية واقتصادية وسياسية مباشرة، ويمكن لأي اضطراب في العلاقات الاقتصادية معها أن ينعكس على السوق العراقية، خصوصاً في قطاع الكهرباء والطاقة.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس الاختيار بين واشنطن وطهران، بل بناء قدرة اقتصادية وسيادية تسمح لها بتقليل كلفة هذا الاستقطاب.
الدولار.. نقطة القوة والضعف
اعتماد العراق الكبير على الدولار يمثل في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر هشاشة.
فإيرادات النفط العراقية تمنح البلاد احتياطيات مالية ضخمة، لكنها تمر في النهاية عبر النظام المالي الدولي الذي تملك الولايات المتحدة تأثيراً واسعاً فيه. وهذا يعني أن استمرار تدفق الدولار إلى العراق يرتبط بقدرة المؤسسات المالية العراقية على الالتزام بالمعايير والضوابط الدولية.
ولهذا لم تكن العقوبات الأمريكية السابقة على بعض المصارف العراقية مجرد قضية مالية داخلية، بل رسالة سياسية واقتصادية مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام الأدوات المصرفية للضغط على أي ثغرات قد تسمح بانتقال الدولار إلى جهات خاضعة للعقوبات.
ومن المتوقع أن تكون المرحلة المقبلة أكثر حساسية، لأن تشديد العقوبات على إيران قد يؤدي تلقائياً إلى زيادة التدقيق في حركة الأموال داخل العراق، وخصوصاً في التحويلات التجارية والقطاع المالي غير الرسمي.
إيران ترى في العراق أكثر من سوق تجارية
العلاقات الاقتصادية بين العراق وإيران لا يمكن اختزالها بحجم التبادل التجاري الذي تجاوز عشرة مليارات دولار في 2025.
فالعراق يمثل بالنسبة إلى إيران سوقاً كبيرة ومجاورة، وممراً اقتصادياً مهماً، كما أن العلاقات تشمل التجارة والطاقة والسياحة الدينية والحدود والاستثمارات وشبكات الأعمال.
لكن الجانب الأكثر حساسية يبقى ملف الغاز والكهرباء. إذ إن اعتماد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل جزء من محطات الطاقة يجعل أي عقوبات أو قيود مالية جديدة قضية تتجاوز البنوك إلى حياة المواطنين اليومية.
فإذا أصبحت المدفوعات إلى إيران أكثر صعوبة، فإن بغداد ستواجه معادلة معقدة: كيف تحافظ على التزاماتها في قطاع الطاقة من دون الاصطدام بالعقوبات الأمريكية؟
وهنا تظهر الحاجة الملحة إلى تسريع مشاريع استثمار الغاز العراقي، وربط شبكة الكهرباء مع دول الجوار، وتنويع مصادر الطاقة، لأن استمرار الاعتماد على مصدر واحد يمنح الأزمة الخارجية قدرة مباشرة على التأثير في الداخل العراقي.
هل تريد واشنطن معاقبة العراق؟
المؤشرات الواردة في التحليل الأمريكي تشير إلى أن واشنطن تدرك خطورة اتخاذ إجراءات قاسية يمكن أن تدفع العراق إلى أزمة مالية أو اقتصادية شاملة.
فالعراق ليس إيران، كما أن استقرار بغداد يبقى مصلحة أمريكية وإقليمية. لذلك يبدو أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو سياسة الضغط الانتقائي: استهداف المصارف والشركات والشبكات المشتبه في تورطها بمساعدة إيران، من دون فرض حصار شامل على الاقتصاد العراقي.
لكن هذه السياسة تحمل خطراً آخر، لأنها قد تدفع القطاع المالي العراقي إلى مزيد من الحذر والتشدد، وترفع كلفة التجارة والتحويلات، وتؤدي إلى زيادة الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعر السوق في حال لم تتم إدارة الملف بكفاءة.
ولهذا فإن أي عقوبات جديدة قد لا تستهدف المواطن العراقي بصورة مباشرة، لكنها يمكن أن تنعكس عليه عبر ارتفاع كلفة الاستيراد واضطراب السوق وزيادة الضغط على العملة المحلية.
الجزرة أم العصا؟
القراءة الأهم في التقرير تتمثل في الإشارة إلى أن الضغط وحده قد لا يكون كافياً.
فالعراق بحاجة إلى شراكة اقتصادية حقيقية مع الولايات المتحدة، لا تقتصر على التحذير والعقوبات. وإذا أرادت واشنطن تقليل اعتماد بغداد على إيران، فإن البديل لا يمكن أن يكون مجرد مطالبة العراق بقطع العلاقات، بل تقديم بدائل عملية في الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والقطاع المصرفي.
وهنا تبرز أهمية استراتيجية «الجزرة بدلاً من العصا». أي أن تقدم الولايات المتحدة للعراق دعماً فنياً ومالياً يساعده على إصلاح نظامه المصرفي، وتطوير مصادر الطاقة، وتنويع اقتصاده، وفي المقابل يلتزم العراق بإغلاق المنافذ التي تستخدم للالتفاف على العقوبات وتمويل الجهات غير الرسمية.
فالدولة التي لا تملك بديلاً اقتصادياً ستجد نفسها مضطرة إلى الاستمرار في الاعتماد على المسارات القديمة، مهما ارتفع مستوى الضغوط السياسية.
الحكومة العراقية أمام اختبار السيادة الاقتصادية
تأتي هذه التطورات في مرحلة تواجه فيها الحكومة العراقية اختباراً حقيقياً في بناء دولة قادرة على حماية اقتصادها من الصراعات الإقليمية.
فالحل لا يكمن في مواجهة واشنطن ولا في القطيعة مع إيران، بل في تقليل قدرة أي طرف خارجي على استخدام الاقتصاد العراقي كورقة ضغط.
وهذا يتطلب إصلاح القطاع المصرفي، والسيطرة على السوق غير الرسمية، ومنع تهريب الدولار، وملاحقة شبكات غسل الأموال، وتنويع مصادر الطاقة، وتحويل العراق من اقتصاد يعتمد على النفط والاستيراد إلى اقتصاد يمتلك قدرة أكبر على الإنتاج.
كما أن حصر السلاح وفرض سيادة الدولة يرتبطان، بصورة غير مباشرة، بالملف الاقتصادي. فلا يمكن بناء نظام مصرفي موثوق أو جذب استثمارات كبرى في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار الاقتصادي والأمني.
السيناريوهات المقبلة
أمام العراق ثلاثة مسارات محتملة.
المسار الأول: نجاح بغداد في تشديد الرقابة المصرفية والتوصل إلى تفاهمات مع واشنطن، مع استمرار التجارة المشروعة مع إيران ضمن ضوابط واضحة، وهو السيناريو الأقل كلفة.
المسار الثاني: تصعيد أمريكي تدريجي ضد مصارف وشركات عراقية جديدة، ما يؤدي إلى زيادة الضغط على الدولار والتجارة ويدفع بغداد إلى اتخاذ إجراءات إصلاحية تحت ضغط الأزمة.
المسار الثالث: توسع المواجهة بين واشنطن وطهران لتشمل عقوبات على الشركاء التجاريين بصورة أكثر مباشرة، وهو السيناريو الأخطر لأنه قد يضع العراق أمام خيار اقتصادي وسياسي بالغ الصعوبة.
العراق لم يعد مجرد دولة مجاورة لإيران تتأثر بالعقوبات الأمريكية، بل أصبح جزءاً من معادلة الاختبار.
فالولايات المتحدة تريد معرفة مدى قدرتها على خنق اقتصاد إيران عبر استهداف شبكاتها الخارجية، بينما تحاول طهران الحفاظ على منافذها التجارية والمالية، ويجد العراق نفسه في المنتصف، حيث تصبح البنوك والدولار والطاقة والتجارة أدوات في صراع أكبر من حدوده.
والمعركة الحقيقية لبغداد ليست بين واشنطن وطهران، بل معركة بناء استقلال اقتصادي حقيقي.
فكلما بقي العراق معتمداً على الدولار الأمريكي في المال، وعلى إيران في الطاقة، وعلى الاستيراد في السوق، بقي أكثر عرضة لأن يدفع ثمن الصراعات التي لا يملك قرار إشعالها.
أما إذا نجح في بناء اقتصاد متنوع، وقطاع مصرفي قوي، ومصادر طاقة مستقلة، فإن «الخناق الاقتصادي» على الآخرين لن يتحول بسهولة إلى خناق على العراق نفسه.







