حرية
تواجه حملة الضغط الاقتصادي الجديدة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران، تحدياً رئيسياً يتمثل في الصين، أكبر شريك تجاري لطهران وأكبر مشترٍ لنفطها، فيما تحاول واشنطن عزل إيران اقتصادياً، دون تعريض “الهدنة التجارية” مع بكين للخطر.
ويزيد اقتراب لقاء مرتقب بين الرئيس ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج من تعقيد المشهد، إذ قد تدفع الحاجة إلى الحفاظ على استقرار العلاقات مع بكين، الإدارة الأميركية إلى تجنب فرض عقوبات أشد على شركات وبنوك صينية كبرى، ما يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة الحملة على تحقيق أهدافها.
ولم تتضمن “الحملة الاقتصادية” التي أعلن عنها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، تفاصيل بشأن كيفية استهداف الصين، ما أثار تساؤلات بشأن مدى فاعليتها، بينما تحاول واشنطن الموازنة بين تشديد الضغوط على طهران، وتجنب تصعيد مع بكين قد تكون كلفته مرتفعة على الاقتصاد الأميركي، وفق وكالة “أسوشيتد برس”.
وفي هذا السياق، قال إدجارد كاجان، كبير المستشارين ورئيس برنامج كرسي “فريمان” لدراسات الصين بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في واشنطن، الثلاثاء: “كان الإعلان، في تقديري، حذراً للغاية في تجنب الخوض في تفاصيل تتعلق بالصين، لأن ذلك كان قد يؤدي إلى تعكير أجواء القمة”.
وأضاف: “بالنسبة للرئيس الصيني شي، تمثل زيارة دولة إلى واشنطن حدثاً مهماً، وكذلك بالنسبة لترامب”.
وتوقع كاجان، الذي شغل منصب السفير الأميركي لدى ماليزيا في الفترة من ديسمبر 2023 حتى فبراير الماضي، أن واشنطن وبكين “ستضطران إلى إدارة توازن دقيق” خلال الأسابيع المقبلة.
ومضى قائلاً: “السؤال الحقيقي هو ما إذا كان هناك مجال للضغط على الصينيين لتقليص تعاونهم مع إيران، وزيادة الضغط على النظام الإيراني، دون أن يدفعهم ذلك إلى القول إن المطالب غير معقولة وإنهم لن يلتزموا بها”.
امتثال صيني “محدود”
ووفق “أسوشيتد برس”، تستحوذ الصين على أكثر من 80% من شحنات النفط الإيراني، وإن كان معظمها يصل عبر قنوات غير مباشرة.
وفي ردها على عملية “العزل الاقتصادي” التي أعلنها بيسنت، الاثنين، أكدت بكين أن تعاونها مع إيران كان دائماً “في إطار القانون الدولي”.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، إن التعاون بين الصين وإيران “لا ينبغي تعطيله أو تقويضه”.
وأضاف أن “الصين تتابع عن كثب التطورات ذات الصلة، وستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بحزم”، مجدداً رفض بكين ما وصفه بـ”العقوبات الأحادية غير القانونية”.
ووصف كاجان الموقف الصيني بأنه “رد مؤقت”، مرجحاً أن تكتفي بكين بالحد الأدنى اللازم للامتثال لتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن. وأشار إلى أن الصين تحرص عادة على عدم تجاوز “الخطوط الحمراء” الأميركية صراحة، لكنها لا تلتزم بالضرورة بروح ما تسعى إليه الولايات المتحدة، ومن ذلك نقل النفط من سفينة إلى أخرى لإخفاء منشأ الخام الإيراني والالتفاف على العقوبات.
وردت الصين بشدة على عقوبات ترامب ضد إيران، متوعدة بالدفاع عن مصالحها، ومتهمّة واشنطن بزعزعة النظام المالي العالمي، ما ينذر بتجدد التوتر بين القوتين
بدورها، قالت سون يون، مديرة برنامج الصين في “مركز ستيمسون” Stimson Center بواشنطن، إن بكين لن تؤيد الحملة الجديدة إذا كان هدف الولايات المتحدة تدمير الاقتصاد الإيراني ودفع الحكومة إلى الانهيار.
وأضافت: “أما إذا كان الهدف هو ممارسة ضغط كافٍ لدفع إيران إلى تقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز وربما إنهاء الصراع، فأعتقد أن الصين يمكنها إظهار قدر من التعاون دون قطع علاقاتها مع إيران بالكامل، ويكفي أن تتخذ خطوات تدل على ذلك، مثل خفض وارداتها من النفط الإيراني”.
ومع بقاء أسابيع على القمة المرتقبة بين ترامب وشي، قالت سون إن “أياً من الطرفين لا يرغب في تصعيد كبير في العلاقات الثنائية في هذه المرحلة”، لافتة إلى أن “الصين تحتاج إلى أن تقدم شيئاً للولايات المتحدة، وعلى واشنطن أن تدرك وتقبل أنها لن تحصل على كل ما تطلبه”.
واشنطن تتجنب مواجهة مباشرة
حتى الآن، امتنعت إدارة ترامب عن فرض عقوبات على شركات أو بنوك صينية كبرى مرتبطة بالنظام المالي الأميركي، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالعقوبات الأميركية.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية، الاثنين، إنها فرضت عقوبات على نحو 60 كياناً مرتبطاً بإيران، متهمة إياها بالضلوع في برامج طهران النووية والصاروخية وأنشطة إلكترونية وشحنات نفطية، وشملت الإجراءات عدداً من الكيانات والأفراد في البر الرئيسي للصين وهونج كونج.
كما فرضت واشنطن عقوبات على ناقلة نفط خام مملوكة لجهة صينية، قالت إنها نقلت ملايين البراميل من النفط الإيراني إلى الصين هذا العام، إضافة إلى شركة مقرها هونج كونج لدورها في “أسطول الظل” الذي ينقل النفط الإيراني.
وقال علي واين، كبير مستشاري الأبحاث في شؤون العلاقات الأميركية الصينية لدى مجموعة الأزمات الدولية، إن ترامب قد يتجنب حالياً اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه الصين مع اقتراب زيارة شي.
ويدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جديدة بنسبة 7.5% على الصين بسبب الطاقة الإنتاجية الفائضة، قبل قمته المرتقبة مع نظيره الصيني شي جين بينج.
وأضاف: “في ضوء حرص ترامب على الحفاظ على الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين وعلى علاقته الشخصية مع شي، فمن غير المرجح أن يغيّر نهجه بشكل جذري قبل شهر واحد فقط من زيارة شي، ويتبنى موقفاً شديد المواجهة”.
ورجحت “أسوشيتد برس” أن زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، ربما تمهد أيضاً الطريق أمام عودة ترامب إلى الصين في نوفمبر لحضور قمة قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ “أبيك”.
وخلال ولايته الثانية، اتخذ ترامب نهجاً أقل تشدداً تجاه الصين مقارنة بولايته الأولى، وكثيراً ما أشاد بعلاقته الجيدة مع شي، بعد “حرب تجارية” واسعة العام الماضي شهدت تبادلاً لفرض الرسوم الجمركية.
كما رحبت قطاعات الأعمال الأميركية بزيارة الرئيس شي، معتبرة أن مجرد عقد لقاء مباشر بين الرئيسين يمثل مؤشراً إيجابياً، حتى إذا ظلت فرص التوصل إلى اتفاقات كبيرة محدودة.







