حرية
يتوجه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، اليوم الخميس إلى طهران، في محاولة جديدة لإحياء المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتصاعد فيه التهديدات المتبادلة وتنتقل المواجهة تدريجياً من الميدان العسكري إلى ساحة الضغوط الاقتصادية والسيطرة على الممرات البحرية.
وتأتي الزيارة في ظل اقتراب الحرب من إتمام شهرها السادس، وسط تراجع ملحوظ في حدة العمليات العسكرية، من دون تحقيق اختراق سياسي ينهي الأزمة، فيما يبقى مضيق هرمز العقدة الأبرز التي تعرقل التوصل إلى تفاهم جديد بين واشنطن وطهران.
وأعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، صباح الخميس، إصابة ناقلة بمقذوف مجهول في مضيق هرمز، ما أدى إلى اندلاع حريق جرى إخماده لاحقاً، مؤكدة سلامة جميع أفراد الطاقم وعدم تسجيل أضرار بيئية.
ويأتي الحادث في وقت انهارت فيه مذكرة تفاهم سابقة بين واشنطن وطهران، بسبب خلافات عدة كان أبرزها ملف إدارة مضيق هرمز، الواقع بين إيران وسلطنة عمان، والذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي.
من الحرب العسكرية إلى العقوبات
وبينما هدأت العمليات القتالية إلى حد كبير، ولم تعلن القيادة المركزية الأميركية عن هجمات جديدة على إيران منذ نحو شهر، يبدو أن واشنطن تتجه نحو تشديد أدوات الضغط الاقتصادي، من خلال فرض عقوبات تستهدف إيران وشركاءها التجاريين، في محاولة لعزل طهران وإجبارها على تقديم تنازلات في الملفات الخلافية.
وفي المقابل، لا تزال إيران تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تمكنها من التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، رغم الأضرار التي لحقت بجزء من قدراتها العسكرية التقليدية خلال الحرب.
وانعكس استمرار التوتر على حركة النفط، إذ هبطت تدفقات الخام عبر المضيق إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاثة أشهر. ووفقاً لأحدث بيانات تتبع السفن، لم تتجاوز الكميات العابرة يوم الاثنين خمسة ملايين برميل يومياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل كانت تمر يومياً قبل اندلاع الحرب.
كما أعلنت المنظمة البحرية الدولية تسجيل 70 حادثة في مضيق هرمز منذ 28 شباط، أسفرت عن مقتل 19 بحاراً، في مؤشر على استمرار المخاطر الأمنية رغم تراجع المواجهات العسكرية المباشرة.
الوسيط القطري يدخل مجدداً
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن زيارة رئيس الوزراء القطري إلى طهران ستتناول استمرار جهود الوساطة القطرية والتطورات الإقليمية، فيما أكد المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن المباحثات ستركز على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وسبل خفض التصعيد وتهيئة الظروف المناسبة للحوار.
وتحاول الدوحة استعادة دورها كوسيط بين الطرفين، مستفيدة من علاقاتها مع واشنطن وطهران، بعدما ساهمت سابقاً في جهود التهدئة والتوصل إلى وقف إطلاق النار المؤقت.
هرمز.. الخلاف الذي أسقط التفاهمات
يبقى مضيق هرمز محور الصراع الأكثر تعقيداً، إذ تتمسك إيران باعتباره ورقة ضغط سياسية واقتصادية، وتسعى إلى فرض ترتيبات جديدة لإدارته والحصول على إيرادات من حركة السفن العابرة، بينما ترفض الولايات المتحدة أي سيطرة إيرانية منفردة على أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، أعلن الحرس الثوري الإيراني التوصل إلى نتائج وصفها بأنها مقبولة مع سلطنة عمان بشأن إدارة المضيق وتقاسم الإيرادات، إلا أن مصدراً إيرانياً رفيعاً أكد لاحقاً أن اتفاقاً نهائياً لم يُبرم بعد، وأن المفاوضات ما تزال مستمرة بشأن التفاصيل.
وتؤكد هذه التصريحات المتناقضة أن ملف هرمز لم يصل إلى تسوية، وأن الإعلان عن أي تفاهمات أولية لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع على إدارة الممر الملاحي.
تحليل: هل تنجح الدوحة في فك عقدة هرمز؟
تدخل قطر إلى طهران في لحظة دقيقة، إذ يبدو أن الحرب انتقلت من مرحلة القصف الواسع إلى مرحلة الضغط المتبادل والاشتباك السياسي والاقتصادي. فالولايات المتحدة تراهن على العقوبات، بينما تحتفظ إيران بورقة مضيق هرمز وقدرتها على تهديد الملاحة وإرباك أسواق الطاقة.
وتكمن أهمية الوساطة القطرية في أن نجاحها لا يتطلب إنهاء جميع الملفات العالقة دفعة واحدة، بل قد يبدأ بتفاهم محدود يعيد حرية الملاحة ويخفض التوتر البحري، مقابل خطوات اقتصادية أو أمنية متبادلة.
لكن العقبة الأساسية تبقى في اختلاف رؤية الطرفين للمضيق؛ فواشنطن تريد ممراً دولياً آمناً بعيداً عن النفوذ الإيراني، بينما تنظر طهران إلى هرمز باعتباره جزءاً من أمنها القومي وورقة تعويض عن الضغوط والعقوبات المفروضة عليها.
لذلك، فإن زيارة رئيس الوزراء القطري قد تكون اختباراً حقيقياً للدبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب: إما أن تنجح الدوحة في فتح نافذة تفاوض حول هرمز، أو يبقى المضيق شرارة قابلة لإشعال مواجهة جديدة في أي لحظة.







