حرية
تعليمات جديدة تستهدف كبار المسؤولين وأصحاب المناصب العليا لملاحقة مصادر الأموال غير المبررة وتعزيز مكافحة غسل الأموال والفساد
في خطوة تعزز الرقابة على حركة الأموال والثروات المرتبطة بكبار المسؤولين وأصحاب المناصب العليا، وجّه البنك المركزي العراقي المؤسسات المالية والمصرفية باعتماد مجموعة من المؤشرات الرقابية العامة عند التعامل مع هذه الفئة من الزبائن، ضمن إجراءات تستهدف تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتدقيق في مصادر الأموال وحركة الحسابات والمعاملات المالية.
وبحسب وثيقة صادرة عن البنك المركزي، فإن هذه المؤشرات تمثل الحد الأدنى من المتطلبات الواجب على المؤسسات المالية مراعاتها، مع منحها صلاحية تطوير مؤشرات وسيناريوهات إضافية تتلاءم مع طبيعة نشاطها ومستوى المخاطر المرتبطة بعملائها ومعاملاتهم.
ثروة لا تتناسب مع الدخل
ومن أبرز المؤشرات التي ركز عليها البنك المركزي وجود ثروات أو مصادر أموال لا تتناسب مع الدخل الشهري أو الوضع المالي المعروف للعميل.
كما تشمل الحالات التي تستوجب التدقيق وجود معاملات مالية غير معتادة أو مرتفعة القيمة لا تتلاءم مع طبيعة نشاط الشخص أو منصبه، سواء خلال مدة توليه المسؤولية أو بعد انتهاء مهمته.
وتكشف هذه المؤشرات عن توجه نحو متابعة حركة الأموال من خلال مقارنتها بالوضع المالي المعلن أو المعروف، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى حجم المعاملة بصورة منفصلة.
التحويلات الخارجية تحت التدقيق
وشملت التعليمات ضرورة الانتباه إلى التحويلات والمعاملات المالية التي ترتبط بدول أو مناطق مرتفعة المخاطر، خصوصاً في الحالات التي لا يتوفر فيها مبرر اقتصادي واضح.
كما ركزت على استخدام أطراف ثالثة أو شركات وواجهات وهياكل ملكية معقدة قد يكون الهدف منها إخفاء المستفيد الحقيقي أو التمويه على مصدر الأموال.
وتتضمن المؤشرات أيضاً المعاملات غير المبررة مع أفراد الأسرة أو الأشخاص المقربين أو الجهات المرتبطة بصاحب المنصب، باعتبار أن هذه القنوات قد تستخدم في بعض الحالات لنقل الأموال بصورة غير مباشرة أو إبعادها عن الحسابات المرتبطة بالشخص المعني.
من الفساد إلى غسل الأموال
ولم تقتصر المؤشرات على حركة الأموال، بل تضمنت ضرورة مراعاة وجود معلومات سلبية موثوقة تتعلق بالفساد أو الرشوة أو الاحتيال أو الجرائم المالية.
كما شملت الحالات التي لا يقدم فيها العميل معلومات أو وثائق كافية بشأن مصدر أمواله أو ثروته، فضلاً عن التغييرات المفاجئة وغير المبررة في نمط المعاملات أو حجم الأصول.
ويعني ذلك أن المؤسسات المالية ستكون مطالبة برصد الأنماط غير الاعتيادية، وليس فقط تنفيذ إجراءات شكلية عند فتح الحسابات أو إجراء التحويلات.
هل تستهدف التعليمات مسؤولين بعينهم؟
التعليمات، وفق ما ورد فيها، لا تعني توجيه اتهام تلقائي إلى أي مسؤول أو صاحب منصب، بل تعتمد على مؤشرات للمخاطر تستوجب التدقيق والمتابعة.
فوجود معاملة مرتفعة القيمة أو تحويل خارجي لا يمثل، بحد ذاته، دليلاً على ارتكاب جريمة، لكن عدم وضوح مصدر الأموال أو وجود تناقض بين الثروة والوضع المالي أو استخدام وسائل لإخفاء المستفيد الحقيقي قد يدفع المؤسسات المالية إلى اتخاذ إجراءات تحقق إضافية وفق الضوابط المعتمدة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الرصد المالي والإدانة القانونية، إذ إن المؤشرات تمثل أدوات للكشف المبكر عن المخاطر، فيما تبقى مسؤولية إثبات أي مخالفة أو جريمة من اختصاص الجهات التحقيقية والقضائية.
الرقابة تصبح جزءاً من تقييم المؤسسات المالية
وأكد البنك المركزي أن هذه المؤشرات ستدخل ضمن أعمال الرقابة على المؤسسات المالية، وسيجري احتساب مدى الالتزام بها عند تقييم فاعلية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة، لأنها تجعل التعليمات جزءاً من معايير تقييم أداء المؤسسات المالية، وتدفع المصارف والجهات المشمولة إلى تطوير أنظمة داخلية أكثر قدرة على رصد العمليات غير الاعتيادية.
كما تفتح الباب أمام بناء منظومات تعتمد على تقييم مستوى المخاطر لكل عميل ومعاملة، بدلاً من تطبيق مستوى رقابي واحد على جميع الزبائن.
خطوة نحو رقابة أكثر عمقاً
وتأتي هذه الإجراءات في وقت يمثل فيه تتبع مصادر الأموال ومراقبة تدفقاتها أحد أبرز التحديات أمام المنظومة المالية، خصوصاً في ما يتعلق بالشخصيات التي تمتلك بحكم مواقعها أو علاقاتها القدرة على إجراء معاملات كبيرة أو التعامل مع شبكات مالية وشركات متعددة.
وتسعى التعليمات الجديدة إلى سد بعض الثغرات التي يمكن أن تستغل لإخفاء الأموال عبر الأقارب أو الشركاء أو الشركات الوسيطة أو الهياكل المالية المعقدة.
لكن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على مدى قدرة المؤسسات المالية على تطبيق المؤشرات بصورة مهنية وفاعلة، وتوفير أنظمة تدقيق قادرة على التمييز بين المعاملات الطبيعية والمعاملات التي تستوجب المتابعة، من دون أن تتحول الإجراءات الرقابية إلى مجرد تعليمات ورقية.
وبين مراقبة الثروة ومتابعة التحويلات وكشف المستفيد الحقيقي، يفتح البنك المركزي مرحلة جديدة من الرقابة المالية على أصحاب المناصب العليا، في محاولة لجعل السؤال عن مصدر المال وحركة الثروة جزءاً أساسياً من منظومة الوقاية والكشف المبكر عن المخاطر المالية.











