حرية
تتجه العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة وبريطانيا إلى مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد الضغوط الأميركية على لندن لزيادة إنفاقها العسكري والاقتراب من الالتزامات الجديدة التي أقرها حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وبحسب صحيفة «تلغراف» البريطانية، تدرس واشنطن استخدام موقفها من جزر فوكلاند كورقة ضغط دبلوماسية على بريطانيا، في إطار مراجعة أوسع لمدى التزام حلفائها بزيادة الإنفاق الدفاعي وتقاسم أعباء الأمن داخل الحلف.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي كبير أن بريطانيا ستحظى بـ«اهتمام خاص» خلال هذه المراجعة، مشيراً إلى أن واشنطن تبحث مجموعة من الوسائل لدفع الدول الأعضاء إلى تقديم خطط واضحة وموثوقة للوصول إلى هدف إنفاق يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع والأمن.
وقال المسؤول إن بريطانيا تملك «إمكانات كبيرة» لتكون شريكاً دفاعياً رئيسياً للولايات المتحدة، إلا أن خطة الاستثمار الدفاعي التي أعلنتها الحكومة البريطانية في يونيو/حزيران الماضي لا تبدو، من وجهة النظر الأميركية، كافية في ظل حجم التحديات الأمنية الحالية.
وعند سؤاله عن إمكانية إعادة النظر في الموقف الأميركي من جزر فوكلاند، أكد المسؤول أن المحادثات مع لندن «صريحة»، مضيفاً أن «لا شيء مستبعد» ضمن الخيارات التي يمكن استخدامها لتشجيع الحلفاء على تحمل قدر أكبر من أعباء الدفاع.
بريطانيا في مرمى الضغوط
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه الحكومة البريطانية انتقادات بشأن مستوى الإنفاق العسكري. ورغم إعلانها في يونيو/حزيران خطة لزيادة مخصصات الدفاع، فإنها لم تتعهد بالوصول إلى نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
وبحسب «تلغراف»، من المتوقع أيضاً ألا تتضمن الموازنة البريطانية المقبلة التزامات إضافية للوصول إلى هذا المستوى، الأمر الذي قد يزيد التباين بين لندن وواشنطن بشأن سرعة رفع الإنفاق الدفاعي.
وتدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتجاه إعادة تعريف أدوار أعضاء «الناتو»، ضمن رؤية تطلق عليها واشنطن «الناتو 3.0»، تقوم على تحمل الدول الأوروبية وكندا مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي للقارة، بالتزامن مع إعادة تقييم حجم الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا.
وكان مسؤول السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأميركية، إلبريدج كولبي، قد حث الحلفاء الأوروبيين خلال اجتماعات «الناتو» في بروكسل على تسريع جهودهم لتعويض القدرات والأسلحة التي وفرتها الولايات المتحدة للقارة على مدى عقود.
وقال كولبي إن واشنطن تريد رؤية «جهود كبيرة» من الدول الأوروبية لضمان امتلاكها قدرة مستدامة على تولي مسؤولية دفاعها.
لماذا عادت فوكلاند إلى الواجهة؟
وتعود قضية جزر فوكلاند إلى الواجهة في سياق هذه الضغوط، بعدما كشفت مذكرة داخلية مسربة من وزارة الدفاع الأميركية في أبريل/نيسان الماضي عن احتمال استخدام مراجعة الموقف الأميركي من الجزر كأداة ضغط دبلوماسية على بعض حلفاء «الناتو».
وتتبنى واشنطن رسمياً موقفاً محايداً من مسألة السيادة على الجزر، مع اعترافها بالإدارة البريطانية لها، بينما تتمسك الأرجنتين بمطالبتها بالسيادة عليها.
ورغم أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قلل في وقت سابق من أهمية التسريب، تشير «تلغراف» إلى أن النقاش داخل وزارة الدفاع الأميركية بشأن إمكانية استخدام الملف كورقة تفاوضية لم ينتهِ.
ويأتي ذلك بالتزامن مع مراجعة أميركية أوسع لعلاقات واشنطن الدفاعية مع حلفائها، تشمل حجم مشتريات الأسلحة الأميركية، واستخدام القواعد العسكرية، ومدى انسجام الحكومات الحليفة مع توجهات إدارة ترامب الخارجية، إضافة إلى مستقبل انتشار القوات الأميركية في أوروبا ومواقع تمركزها.
روسيا خلف المشهد
ويكتسب هذا الضغط أهمية أكبر في ظل تصاعد المخاوف الغربية من التهديد الروسي لأوروبا. ونقلت الصحيفة عن تقييم استخباراتي أميركي حديث أن روسيا قد تختبر تماسك «الناتو» عبر تحرك عسكري محتمل على الجناح الشرقي للحلف.
كما يحذر مسؤولون غربيون من أن عمليات التخريب المنسوبة إلى روسيا داخل أوروبا قد تقود إلى «سوء تقدير» يتسبب بصورة غير مقصودة في مواجهة مباشرة بين موسكو والحلف.
وبذلك، لا تبدو معركة الإنفاق الدفاعي مجرد خلاف مالي بين واشنطن ولندن، بل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع للأدوار داخل «الناتو». وفي هذا السياق، قد تتحول ملفات حساسة مثل فوكلاند إلى أدوات تفاوض تستخدمها الإدارة الأميركية للحصول على التزامات دفاعية أكبر من حلفائها، فيما تجد بريطانيا نفسها أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقتها الخاصة بواشنطن وعدم تقديم تنازلات في ملفات سيادية شديدة الحساسية.







